المعالي، وحينما تجتمع الإرادة مع الإيمان، فإنها تصنع التفوق والإنجاز في الدنيا ثم في الآخرة بإذن الله.
ولذلك كان أهم ما يميز المؤمن في حياته أنه صاحب همة عالية، يسير بها إلى معالي الأمور، ولا يرضى بالدون أبدًا.
قد رشحوك لأمر لو فطنت له = فاربأ بنفسك أن ترعي مع الهمل
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4950) .
لقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أصدق الأسماء حارث وهمام، فالمؤمن يهم بالطاعة، وله همة عالية في ذلك، ثم يحرث تلك الهمة العالية بالعمل الصالح.
وقال ابن القيم رحمه الله: إن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة بدلهم أفضل منها وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سببًا موصلًا لهم إليه، وطريقًا موضحًا بيِّن الدلالة عليه، من تمسك به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شقي وغوى، ولما كان هذا العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصول، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين: همة ترقيه وعلم يبصره ويهديه ... مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (1/ 46) .
إن الإرادة مع الإيمان الآلة التي تخرج لنا المؤمن الناجح البارع، لأن النجاح والتفوق في الحياة وفي طاعة الله جل في علاه يحتاج إلى صبر ومصابرة وتعب ومشقة، فالنجاح سفر طويل لا يقدر على قطعه إلا صاحب الهمة العالية. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .
ومن ثم كانت الهمة والإرادة تطلع إليها العباد والزهاد والمجاهدون والعلماء والحكماء، وإليها شمر السابقون من الأنبياء وأصحابهم، ومن ساروا على نهجهم، وفيها أنفق المنفقون ومن وافقهم، فهي زاد لقلوب السالكين، وغذاء لأرواح المتقين، وقرة لعيون الموحدين.
إننا أيها الشباب الغالي حينما نتأمل في قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، انه نجد أنها سر الوجود.