فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 119

لقدْ تغيَّروا من أتْباعٍ له منفِّذين لأمْره، مطيعين لقراره، إلى دُعاةٍ له يُبشِّرون ويُنذرون، وبأمر الله فقط يأمُرون، وبتوجيه الله فقط يَنصحون؛ {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73] مَن حَوَّل قلوبَهم؟ ومَن غيَّر وجهتهم؟ ومَن بدَّل طريقهم؟ إنَّه الإيمان الذي يُغيِّر الوجهة، ويحول القلوب.

• كانت هندُ بنت عُتْبة زوجةُ أبي سفيان بن حرْب، قد حرَّضتْ وحشيَّ بن حرْب على قتْل حمزة بن عبد المطلب، حيث وعدتْه بالحريَّة - وقد كان عبدًا لها - إنْ هو قتَل حمزة، ولَمَّا قتَل وحشيٌّ حمزةَ، جاءتْ هند إلى حمزة وقد فارَقَ الحياة، فشقَّت بطنه، ونزعَتْ كبدَه، ومضغتْها ثم لفظتْها، وبعد غزوة الخندق رجَع أبو سفيان إلى مكَّةَ وقد أسْلم على يدِ ... الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولَمَّا رجَع إلى مكة في ليلة الفتْح صاح:"يا معشرَ قريش، إني أسلمتُ فأَسْلِموا، فإنَّ محمدًا أتاكم بما لا قِبلَ لكم به، فمَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِن"، فأخذتْ هند رأسَه، وقالت:"بِئسَ طليعةُ القوم أنت، والله ما خدشت خدشًا، يا أهلَ مكة عليكم الحَمِيت الدَّسِم فاقْتُلوه، قُبِّح من طليعة قوم"، فقال أبو سفيان:"ويْلَكم لا تغرنَّكم هذه من أنفسكم، فإنَّه قد جاءكم ما لا قِبلَ لكم به"، وفي اليوم التالي لفتْح مكة، جاءت هند لزَوْجها أبي سفيان وقالت:"إنَّما أُريد أنأتَّبِع محمدًا، فخُذْني إليه"، فقال لها:"قد رأيتُك تكرهين هذا الحديثَ بالأمس"، فقالت:"إني والله لم أَرَ أنَّ الله قد عُبِد حقَّ عبادته في هذا المسجد إلاَّ في هذه الليلة، والله إنْ باتوا إلا مُصلِّين قيامًا ورُكوعًا وسجودًا"، فقال لها:"فإنَّك قد فعلتِ ما فعلت، فاذْهَبي برَجلٍ من قومك معك، فذهبتْ إلى عثمان بن عفَّان، فذَهب بها إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمَتْ وبايعت، وأقرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نِكاحَ أبي سفيان وهند، ثم جعلتْ هند تضرب صنمًا لها في بيتها بالقَدُّوم حتى فلذته فلذة، وهي تقول:"كنَّا منك في غرور"!"

بعدَ إسلامها اشتركَتْ في الجِهاد مع زوجها أبي سفيان في غزوة اليَرموك، وأبْلَتْ فيها بلاءً حسنًا، وكانتْ تُحرِّض المسلمين على قِتال الرُّوم، فتقول:"عاجِلوهم بسيوفكم يا معشرَ المسلمين"، كما رَوتْ عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ورَوَى عنها ابنُها معاوية بن أبي سفيان، وعائشةُ أم المؤمنين، وظلَّتْ هند بقيةَ حياتها مسلِمة مؤمِنة مجاهدة، حتى تُوفِّيت سنةَ أرْبَعَ عشرةَ للهِجرة، إنَّه التغيير الحقيقي المأمول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت