(11) المعنى: أنه لم يبق له إلا المناجاة ومخاطبة الله جل وعلا بالادعية. يا
وكلّ الذي ترضاه والموت دونه ... به أنا راض والصبابة أرضت ... ونفسي لم تجزع، بإتلافها أسى، ... ولو جزعت كانت بغيري تأسّت (1)
... وفي كلّ حيّ كلّ حيّ كميّت ... بها، عنده قتل الهوى خير موتة ... تجمّعت الأهواء فيها، فما ترى ... بها غير صبّ، لا يرى غير صبوة (2)
... إذا سفرت في يوم عيد تزاحمت ... على حسنها أبصار كلّ قبيلة ... فأرواحهم تصبو لمعنى جمالها، ... وأحداقهم من حسنها في حديقة (3)
... وعندي عيدي، كلّ يوم أرى به، ... جمال محيّاها، بعين قريرة ... وكلّ اللّيالي ليلة القدر، إن دنت ... كما كلّ أيّام اللّقا يوم جمعة (4)
... وسعيي لها حجّ، به كلّ وقفة، ... على بابها، قد عادلت كلّ وقفة (5)
... وأيّ بلاد الله حلّت بها، فما ... أراها، وفي عيني حلت، غير مكّة ... وأيّ مكان ضمّها حرم، كذا ... أرى كل دار أوطنت دار هجرة ... وما سكنته فهو بيت مقدّس، ... بقرّة عيني فيه، أحشاي قرّت (6)
... ومسجدي الأقصى مساحب بردها ... وطيبي ثرى أرض، عليها تمشّت (7)
... مواطن أفراحي، ومربى مآربي، ... وأطوار أوطاري، ومأمن خيفتي (8)
... مغان، بها لم يدخل الدّهر بيننا، ... ولا كادنا صرف الزّمان بفرقة (9)
(1) لم تجزع: لم تخف. الإتلاف: الموت. تأست: تعزت.
(2) الأهواء: الأغراض. الصبّ: الشديد العشق والصبوة: حبّ الشباب.
(3) تصبو: تنظر. الأحداق: المقل.
(4) المعنى أنه ينتظر لقياها في كل ليلة كما ينتظر المؤمنون لقاء ليلة القدر في كل عام.
(5) السعي والوقفة: من اعمال الحج والمقصود أن الوقوف على بابها يعادل الوقوف على جبل عرفات.
(6) أحشاي: احشائي. قرّت: هدأت واطمأنت.
(7) مساحب بردها: أطراف ثوبها.
(8) المواطن: المساكن. المآرب: الغايات. الأوطار: الحاجات.
(9) المغاني: الحجرات. كادنا: أصابنا بمكيدة. صرف الزمان: كيده.
ولا سعت الأيّام في شتّ شملنا، ... ولا حكمت فينا الليالي بجفوة (1)
... ولا صبّحتنا النائبات بنبوة، ... ولا حدّثتنا الحادثات بنكبة (2)
... ولا شنّع الواشي بصدّ وهجرة ... ولا أرجف اللاحي ببين وسلوة (3)
... ولا استيقظت عين الرّقيب ولم تزل ... عليّ لها، في الحبّ، عيني رقيبتي ... ولا اختصّ وقت دون وقت بطيبة ... بها كلّ أوقاتي مواسم لذة ... نهاري أصيل كلّه، إن تنسّمت ... أوائله منها بردّ تحيّتي ... وليلي فيها كلّه سحر، إذا ... سرى لي منها فيه عرف نسيمة (4)
... وإن طرقت ليلا، فشهري كلّه ... بها ليلة القدر، ابتهاجا بزورة (5)
... وإن قربت داري، فعامي كلّه ... ربيع اعتدال، في رياض أريضة (6)
... وإن رضيت عني، فعمري كلّه ... زمان الصّبا، طيبا، وعصر الشبيبة ... لئن جمعت شمل المحاسن صورة ... شهدت بها كلّ المعاني الدّقيقة ... فقد جمعت أحشاي كلّ صبابة ... بها، وجوى ينبيك عن كلّ صبوة (7)
... ولم لا أباهي كلّ من يدّعي الهوى ... بها، وأناهي في افتخاري بحظوة (8)
... وقد نلت منها فوق ما كنت راجيا ... وما لم أكن أمّلت من قرب قربتي (9)