فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 1123

وكان على وجه"حافظ"لون من الرضى لا يتغير في بؤس ولا نعيم، كبياض الأبيض وسواد الأسود؛ وهذا من عجائب الرجل الذي كان في ذات نفسه فنًّا من الفوضى الإنسانية، حتى لكأنه حلم شعري بدأ من أبويه ثم انقطع وترك لتتممه الطبيعة!

ومن نظر إلى"حافظ"على اعتبار أنه فن من الفوضى الإنسانية رآه جميلًا جمال الأشياء الطبيعية لا جمال الناس؛ ففيه من الصحراء والجبال والصخور والغياض والبرق والرعد وأشباهها؛ وكنت أنا أراه بهذه العين فأستجمله، ويبدو لي جزلًا مطهمًا، وأرى في شكله هندسة كهندسة الكون؛ تتمم محاسنها بمقابحها وكم قلت له: إنك يا حافظ أجمل من القفر...

أما هو فكان يرى نفسه دميمًا شنيع المرآة متفاوت الخلق كأنه إنسان مغلوط في تركيبه...

وقد سألته مرة: هل أحب؟

فقال: النساء اثنتان: فإما جميلة تنفر من قبحي، وإما دميمة أنفر من قبحها! ولهذا لم يفلح في الغزل والنسيب، ولم يحسن من هذا الباب شيئًا يسمى شيئًا؛ وبقي شاعرًا غير تام، فإن المرأة للشاعر كحواء لآدم: هي وحدها التي تعطيه بحبها عالمًا جديدًا لم يكن فيه، وكل شرها أنها تتخطى به السموات نازلًا...

وتهدم حافظ في أواخر أيامه من أثر المرض والشيخوخة، وكان آخر العهد به أن جاء إلى إدارة"المقتطف"وأنا هناك، فلم يرني حتى بادرني بقوله: ماذا ترى في هذا البيت في وصف الأمريكان:

وتخذتمْ موج الأثير بريدًاحين خلتم أن البروق كسالى*

فنظرت إلى وجهه المعروق المتغضن وقلت له: لو كان فيك موضع قبلة لقبلتك لهذا البيت! فضحك وأدار لي خده؛ ولكن بقي خده بلا تقبيل.

وشهرة هذا الأديب العظيم بنوادره ومحفوظاته من هذا الفن أمر مجمع عليه؛ وكان يتقصص النوادر والفكاهات ومطارحات السمر من مظانها في الكتب ورجال الأدب وأهل المجون، فإذا قصها على من يجالسه زاد في أسلوبها أسلوبه هو، وجعل يقلبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت