والمعنى الذي في النفس جميعًا، ولكيما أسكره -وهو الزاهد العابد- سكر الخمر بشيء غير الخمر!
وما أفقت من هذه إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي علي أنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن أكون قد افتضحت عنده؛ ولكن غلبته شهوته، وكان جسدًا بما فيه يريد جسدًا لما فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير.
واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني, فلم أشعر إلا وأنا أغنيه بشعر عبد الرحمن:
ألا قل لهذا القلب: هل أنت مبصروهل أنت عن سلامة اليوم مقصر إذا أخذت في الصوت كاد جليسهايطير إليها قلبه حين تنظر
وأديته على ما كان يستحسنه عبد الرحمن ويطرب له، إذ يسمع فيه همسًا من بكائي، ولهفة مما أجد به، وحسرة على أنه ينسكب في قلبي وهو يصد عني ويتحاماني، وما غنيت:"وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر"إلا في صوت تنوح به سلامة على نفسها, وتندب وتتفجع!
فقال لي يزيد وقد فضحت نفسي عنده فضيحة مكشوفة: يا حبيبتي, من قائل هذا الشعر؟
قلت: أحدثك بالقصة يا أمير المؤمنين؟
قال: حدثيني.
قلت: هو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه، وهو في المدينة يشبه عطاء بن أبي رباح، وكان صديقًا لمولاي سهيل، فمر بدارنا يومًا وأنا أغني فوقف يسمع، ودخل علينا"الأحوص"1، فقال: ويحكم! لكأن الملائكة والله تتلو مزاميرها بحلق سلامة، فهذا عبد الرحمن القس قد شُغل بما يسمع منها، وهو واقف خارج الدار، فتسارع مولاي فخرج إليه ودعاه إلى أن يدخل فيسمع مني، فأبى! فقال له: أما علمت أن عبد الله بن جعفر، وهو من هو في محله وبيته وعلمه قد مشى إلى