فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 1123

فشاعرنا هذا أخرجه اثنان: الظرف والجمال؛ وهذا سر إبائه أن يعد من الشعراء؛ لأنه أرفع من أن يدخل بينهم في هذه المحنة والبلوى التي ابتلوا بها...

ولقد هم صبري في أواخر عمره بمحو شعره لو أنه كان في منال يده على أنه محا منه بإهماله أكثر مما أثبت؛ وعلمت منه أنه لم يدون شيئًا، وأنه ينسى متى انتهوا إلى التحقيق رأوا عمرهم كله بداية ورأوا ما فعلوا باطلًا فغسلوا كتبهم أو أحرقوها، ولكنا لم نعرف هذه الطبيعة في شاعر بعد عصر الكتابة والتدوين، وإن كان بعضهم يأنف لنفسه أن يعد من الشعراء وهو مع ذلك يجمع يده على شعره، كالشريف الرضي الذي يقول:

ما لك ترضى أن تعد شاعرًابعدًا لها من عدد الفضائل

ويقول في مدح أبيه:

إني لأرضى أن أراك ممدحًاوعلاك لا ترضى بأني شاعر

ومثله أبو طالب المأموني وآخرون يدعون ذلك دعوى وفي ألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

ولإفراط صبري في الظرف والجمال وقيام شعره على هذين الركنين، جاء مقلًّا من أصحاب القصار، وزاد إقلاله في قيمة شعره، فخرجت مقاطيعه مخرج الشيء الطريف الذي يتعجب منه في وجوده أكثر مما يتعجب منه لقلة وجوده؛ وبذلك ربح تعب المكثرين والمطيلين؛ إذ كان لا يقول إلا فيما تؤاتيه السجية وينزع الطبع، فيدنو مأخذه ويكثر بقليله ويرمي منه بمثل الحجة والبرهان، فيطمس بهما على كلام طويل وجدل عريض.

ولا يعيب المقل أنه مقل إذا كثرت حسناته، بل ذلك أعون له على القلوب والنفوس إذا أصابت في شعره ما يغريها بطلب المزيد منه؛ وقد عدوا بين المقلين في الجاهلية: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وعدي بن زيد، وسلامة بن جندل، وحصين بن الحمام، والمتلمس، والحارث بن حلزة، وابن كلثوم، وغيرهم أتينا على أسمائهم في الجزء الثالث من"تاريخ آداب العرب"؛ ومن أولئك من يعرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت