الأصل؟ أفليس لو كان ذلك صحيحًا لملئت المتاحف والقصور بألواح العجائز، ولما بقيت على الأرض عجوز إلا ذهبت لأحد المصورين تقول له: اخلقني!...
* هذه العبارة مما ترجمته السياسة من محاضرة طاغور، وإذا قيل إن الصناعة في نقل الصورة محكمة فليس معنى ذلك أن الصورة جميلة، والمعنى الذي يرمي إليه الشاعر معروف وقد كتبناه في"السحاب الأحمر"ولكنه أخطأ في العبارة عنه أو أخطأت الترجمة.
حدثني شيطان قال: حدثني شيطان طاغور قال: وكان طاغور رطب اللسان في محاضرته كأن غابة من غابات الهند أمدته بكل ما اعتصرته الشمس فيها ماء وحياة ونضرة، فهو في كلامه ومعانيه ورق وزهر ونسيم وظل وحفيف وتغريد، يسحر الناظر؛ إذ لا يرى الناظر شكله الإنساني فيه، بل يراه شيئًا من خياله كأنما انفصل منه فتمثل بشرًا سويًّا، ولو أنك اطلعت يومًا في المرأة فإذا خيالك فيها يكلمك ويستأنسك ويطلف لك، لما أدهشك من ذلك ولا أطربك ولا استخرج من عجبك وذهولك إلا كالذي يعتري نفسك حين يكلمك طاغور؛ وتراه يستخلص آراءه المتصرفة بكلامه من روح النواميس الإلهية المدبرة للكون، فتحسه يضيق إليك زيادة ليست فيك؛ فمما كبرت به تصغر نفسك عندك بين يديه؛ ثم هو يتصل بروحك مرة في جلال حب الأب لطفله، ومرة في رقة فرح الطفل بأبيه؛ فإذا أنت منه بموقف عجيب من معجزة إنسانية تروعك بطفل شيخ قد اجتمع فيه طرفًا العمر وجاء كأنه مظهر روحه التي لا عمر لها.
إنسان كهربائي يحاول أن يزيد في تركيب الناس عظمة من حديد أو عصبًا من سلك؛ لتصل بهم جميعًا تلك الشعلة الطائفة؛ فإذا هم خلق آخر كأهل الجنة: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد: 12] ؛ ولكنه بصر وهو خارج من المسرح بإعلان السيما التي تجاوره وما عليه من التصاوير والتهاويل، فقال في نفسه: بعد قليل تجيء إلى هنا لندن وباريس ونيويورك وغيرها من أرض الله بناسها وحيوانها ونباتها،