فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1123

فأمثل الطرق في نقد موهبة الشاعر إدراكها بالروح الشعرية القوية من ناحية إحساسها والنفاذ إلى بصيرتها، واكتناه مقادير الإلهام فيها، وتأمل آثارها في الفرح والحزن بأشجى وأرق ما تهتاج في النفس الحساسة، ومعرفة قوة التحويل في عواطفها للمعاني الإنسانية والطبيعة تحويلًا يجعل القوة أقوى مما تبلغ، والحقيقة أكبر مما تظهر، وتأتي بكل شيء ومعه شيء؛ وليس ينتهي الناقد إلى ذلك إلا بالبحث في الأغراض أي"المواضيع"التي نظم فيها الشاعر وما يصله بها من أمور عيشه وأحوال زمنه وكيف تناولها من ناحيته ومن ناحيتها وماذا أبدع، ثم في أي المنازل يقع شعره من شعر غيره في تاريخ لغته وآدابه، ثم نظرته الفلسفية إلى الحياة ومسائلها واتساعه لأفراحها وآلامها وقوة أمواجه الروحية في هذا البحر الإنساني الرجاف المتضرب الذي يبلغ في نفوس بعض الشعراء أن يكون كالأقيانوس وفي بعضها أن يكون كالمستنقع... ثم دقة فهمه عن وحي الطبيعة والإشراف على جلية معناها بالهمسة واللمسة، وتسقط إلهام الغيب منها بالإيماءة واللحظة؛ وهذا كله لا يستوسق للناقد العظيم إلا إذا كان مع روحه الشعرية التي اختص بها محيطًا بآثار الشعراء في لغته، بصيرًا بمآخذها؛ محكمًا لأسباب الموازنة بينها، متصرفًا مع ذلك بأداة قوية من صناعة اللغة والبيان وفنون الأدب.

وإذا كان من نقد الشعر علم فهو علم تشريح الأفكار، وإذا كان منه فن فهو فن درس العاطفة، وإذا كان منه صناعة فهي صناعة إظهار الجمال البياني في اللغة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت