وهذا كله قريب بعضه من بعض"1 والأدب وحده هو المتروك في هذه الصحافة لمن يتولاه كيف يتولاه؛ إذ كان أرخص ما فيها، وإنما هو أدب؛ لأن الأمم الحية لا بد أن يكون لها أدب؛ إذ كان أرخص ما فيها، وإنما هو أدب؛ لأن الأمم الحية لا بد أن يكون لها أدب، ثم هو من بعد هذا الاسم العظيم ملء فراغ لا بد أن يملأ، وصفحة الأدب وحدها هي التي تظهر في الجريدة اليومية كبقعة الصدأ على الحديد: تأكل منه ولا تعطيه شيئًا."
ثم يأبى من تترك هذه الصفحة إلا أن يجعل نفسه"رئيس تحرير"على الأدباء، فما يدع صفة من صفات النبوغ ولا نعتًا من نعوت العبقرية إلا نحله نفسه ووضعه تحت ثيابه؛ وما أيسر العظمة وما أسهل منالها إذا كانت لا تكفك إلا الجراءة والدعوى والزعم، وتلفيق الكلام من أعراض الكتب وحواشي الأخبار.
وقد يكون الرجل في كتابته كالعامة، فإذا عبته بالركاكة والسخف والابتذال وفراغ ما يكتب، قال: هذا ما يلائم القراء، وقد يكون من أكذب الناس فيما يدعي لنفسه وما يهول به لتقوية شأنه وإصغار من عداه، فإذا كذبه من يعرفه قال: هذا ما يلائمني، وهو واثق أنه في نوع من القراء ليس عليه إلا أن يملأهم بهذه الدعاوى كما تملأ الساعة، فإذا هم جميعًا يقولون: تك تك... تك... تك
فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرب، وكله سواء وكله بيانًا1 وكان المكي طيب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل، وكان يدعي كل شيء على غاية الإحكام ولم يحكم شيئًا قط من الجليل ولا من الدقيق؛ وإذ قد جرى ذكره فسأحدثك ببعض أحاديثه، قلت له مرة: أعلمت أن الشاري حدثني أن المخلوع"أي الأمين"بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم، كأنه مخبره أن عنده من الجند بعد ذلك، وأن المأمون بعث له بديك أعور، يريد أن ظاهر بن الحسين يقتل هؤلاء كلهم كما يلقط الديك الحب؟
قال: فإن هذا الحديث أنا ولدته، ولكن انظر كيف سار في الآفاق...2