يا أبا عثمان، إنما هي حياة ثلاثة أشياء: الصحيفة، ثم الصحيفة، ثم الحقيقة.. فالفكرة الأولى للصحيفة، والفكرة الثانية هي للصحيفة أيضًا؛ ومتى جاء الشعب الذي يقول: لا، بل هي الحقيقة، ثم الحقيقة، ثم الصحيفة -فيومئذ لا يقال في الصحافة ما قيل لليهود في كتاب موسى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91] .
قلت: أراك يا أبا عثمان لم تنكر شيئًا من رئيس التحرير في هذه المرة، فشق عليك ألا تثلبه، فغمزته بالكلام عن مرة سالفة.
قال: أما هذه المرة فأنا الرئيس لا هو، وفي مثل هذا لا يكون عمك أبو عثمان من"صعاليك الصحافة"؛ إن الرجل اشتبه في كلمة: ما وجهها: أمرفوعة هي أم منصوبة؟ وفي لفظة ما هي: أعربية أم مولدة؟ وفي تعبير أعجمي ما الذي يؤديه من العربية الصحيحة؟ وفي جملة: أهي في نسقها أفصح أم يبدلها.
إن المعجم هنا لا يفيدهم شيئًا إلا إذا نطق...
ولقد ابتليت هذه الأمة في عهدها الأخير بحب السهولة مما أثر فيها الاحتلال وسياسته وتحمله الأعباء عنها واستهدافه دونها للخطر، فشبه العامية في لغة الصحف وفي أخبارها وفي طريقها إنما هو صورة من سهولة تلك الحياة، وكأنه تثبيت للضعف والخور، وأنت خبير أن كل شيء يتحول بما تحدث له طبيعته عاليًا أو نازلًا، فقد تحولت السهولة من شبه العامية إلى نصف العامية في كتابة أكثر المجلات وفي رسائل طلبة المدارس، حتى لتبدو المقالات في ألفاظها ومعانيها كأنها القنفد أراد أن يحمل مأكلة صغاره، فقرض عنقودًا من العنب، فألقاه في الأرض وأتربه وتمرغ فيه، ثم مشى يحمل كل حبة مرضوضة في عشرين إبرة من شوكه.
ثم مد أبو عثمان يده فتناول مجلة مما أمامه وقعت يده عليها اتفاقًا ثم دفعها إلي وقال: اقرأ ولا تجاوز عنوان كل مقالة. فقرأت هذه العناوين.
"مسئولية طبيب عن فتاة عذراء"،"مودة الراقصات الصينيات"،"تخر مغشيًا عليها؛ لأنهم اكتشفوا صورة حبيبها"،"هل يعتبر قبول الهدية دليلًا على الحب، وإذا كانت ملابس داخلية... فهل تعتبر وعدًا بالزواج؟ هل يحق للأب أن يطالب صديق ابنته"