قال: إن الكتابة في هذه الصحافة صورة من الرؤية، فماذا ترى أنت في... وفي... وفي؟... لقد كنا نروي في الحديث:"يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقرة بلسانها"؛ فلعل من هذه الألسنة الطويلة لسان صاحب الجريدة...
قلت: ولكنك يا شيخنا قد نسيت القراء وحكمهم على الصحيفة.
قال: القراء ما القراء؟ وما أدراك ما القراء؟ وهل أساس أكثرهم إلا بلادة المدارس، وسخافة الحياء، وضعف الأخلاق، وكذب السياسة؟ إن الإبداع كل الإبداع في أكثر ما تكتب هذه الصحف، أن تجعل الكذب يكذب بطريقة جديدة... وما دام المبدأ هو الكذب، فالمظهر هو الهزل؛ والناس في حياة قد ماتت فيها المعاني الشديدة القوية السامية، فهم يريدون الصحافة الرخيصة، واللغة الرخيصة، والقراءة الرخيصة؛ وبهذا أصبح الجاحظ وأمثاله هم"صعاليك الصحافة".
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير، فنهض إليه، ثم رجع بعينين لا يقال فيهما جاحظتان، بل خارجتان... وقال: أف. {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16] .
"كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه"*.
قلت: ماذا دهاك يا أبا عثمان؟
قال: ويحها صحافة! قل في عمك ما قال المثل: جحظ إليه عمله**.
قلت: ولكن ما القصة؟
قال: ويحها صحافة! وقال الأحنف: أربع من كن فيه كان كاملًا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو حياة يقناه". وقال:"المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده، وشيطان يفتنه، وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله". وقال الحسن بن علي: ***..."