فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 1123

قال الإمام تقي الدين: وطغى الأمراء من المماليك وثقلت وطأتهم على الناس؛ وحيثما وجدت القوة المسلطة المستبدة جعلت طغيانها واستبدادها أدبًا وشريعة؛ إلا أن تقوم بأزائها قوة معنوية أقوى منها؛ ففكر شيخنا في هؤلاء الأمراء، وقال: إن خداع القوة الكاذبة لشعور الناس باب من الفساد؛ إذ يحسبون كل حسن منها هو الحسن، وإن كان قبيحًا في ذاته ولا أقبح منه؛ ويرون كل قبيح عندها هو القبيح، وإن كان حسنًا ولا أحسن منه.

وقال: ما معنى الإمارة والأمراء؟ وإنما قوة الكل الكبير هي عماد الفرد الكبير، فلكل جزء من هذا الكل حقه وعمله؛ وكان ينبغي أن تكون هذه الإمارة أعمالًا نافعة قد كبرت وعظمت فاستحقت هذا اللقب بطبيعة فيها كطبيعة أن العشرة أكثر من الواحد، لا أهواء وشهوات ورذائل ومفاسد تتخذ لقبها في الضعفاء بطبيعة كطبيعة أن الوحش مفترس.

وفكر الشيخ فهداه تفكيره إلى أن هؤلاء الأمراء مماليك، فحكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، ويجب شرعًا بيعهم كما يباع الرقيق!

وبلغهم ذلك فجزعوا له وعظم فيه الخطب عليهم؛ ثم احتدم الأمراء وأيقنوا أنهم بإزاء الشرع لا بإزاء القاضي ابن عبد السلام.

وأفتى الشيخ أنه لا يصح لهم بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا معاملة، وأنه لا يصحح لهم شيئًا من هذا حتى يباعوا ويحصل عنقهم بطريق شرعي!

ثم جعلوا يتسببون إلى رضاء، ويتحملون عليه بالشفاعات، وهو مُصِرٌّ لا يعبأ بجلالة أخطارهم، ولا يخشى اتسامه بعداوتهم، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فأرسل إليه فلم يتحول عن رأيه وحكمه.

واستشنع السلطان فعله وحنق عليه وأنكر منه دخوله فيما لا يعنيه، وقبح عمله وسياسته وما تطاول إليه، وهو رجل ليس له إلا نفسه وما تكاد تصل يده إلى ما يقيمه وهم وافرون وفي أيديهم القوة ولهم الأمر والنهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت