قال"النابغة": أنبأتكم أن هذا الأبله يضل في داره كما يضل الأعرابي في الصحراء؛ وإن الأسطول الإنجليزي لو استقر في ساقية يدور فيها ثور، لكان ذلك أقرب إلى التصديق من استقرار العقل في رأس هذا الأبله؟
فاحتدم الآخر وهم أن يقول:"مما حفظناه"، ولكني أسكته وقلت"للنابغة": إنك دائما في ذروة العالم، فلا غرو أن ترى المحيط الأعظم ساقية."والنوابغ"هم في أنفسهم نوابغ، ولكنهم في رأي الناس مرضى بمرض الصعود الخيالي إلى ذروة العالم. ومن هذا يكون المجانين هم المرضى بمرض النزول الحقيقي إلى حضيض الآدمية؛ فهناك يعملون فتكون أفكارهم من أعمالهم، ثم تكون عقولهم من أفكارهم، فيكون هذا هو الجنون في عقولهم، وذلك معنى الحديث:"إنما المجنون المقيم على معصية الله".
قال"النابغة": لعمري إن هذا هو الحق؛ فنبوغ العقل مرض من أمراض السمو فيه؛ فالشاعر العظيم مجنون بالكون الذي يتخيله في فكره، والعاشق مجنون بكون آخر له عينان مكحولتان؛ والفيلسوف مجنون بالكون الذي يدأب في معرفته؛ ونابغة القرن العشرين مجنون... لا. لا. قد نسينا ا. ش، فهو مجنون، وس. ع فهو مجنون. وكل الناس مجنون بليلىوليلى لا تقر لهم بذاك
ومن حق ليلى ألا تقر لهم، إذ هي لا تقر إلا لنابغة القرن العشرين وحده؛ وما أعجب سحر المرأة في الكون النفساني للرجال! أما في الكون الحقيقي فهي أنثى كإناث البهائم ليس غير. وأعقل الرجال من كان كالحمار أو الثور أو غيرهما من ذكور البهائم. فالحمار لا يعرف الحمارة إلا أنها حمارة، والثور لا يعرف البقرة إلا أنها بقرة؛ ولا ينظمون شعرًا، ولا يكتبون"أوراق الورد"... وإناث البهائم أمَّات1 لا غير، ولكن العجيب أن ذكورتها ليست آباء؛ فهذه الذكورة طفيلية في الدنيا، والطفيلي لا يأكل إلا بحيلة يحتال بها، فيكون صاحب نوادر وأضاحيك وأكاذيب. ولهذا كان عشق الرجال للنساء ضروبا من الخداع والأكاذيب والأضاحيك والحيل والغفلة والبلاهة؛ وإذا نظرنا إليه من أوله فهو عشق، أما آخره فهو آخر الحيلة والأكذوبة، وهو قول الطفيلي: قد شبعت وقد رويت... ويحكم، أين أول الكلام؟