أنفسنا إلا من جهة ما يرضينا أو يغضبنا، وقد لا يغضبنا إلا الحق والجد، وقد لا يرضينا إلا الباطل والتهاون، ولكنا لا نبالي إلا ما نرضى وما نغضب.
لستم أحرارًا في أن تجعلوا غيركم غير حر، فإن يكون الرأي الذي يعارضكم رأيا حقا وتركتم منابذته فقد نصرتم الحق؛ وإن يكن باطلا فإظهاره باطلا هو برهان الحق الذي أنتم عليه؛ ولن تجردوا أحدًا من اختيار الرأي إلا إذا تجردتم أنتم من اختيار العدل، فإن فعلتم فهذه كبرياء ظالمة، تدعي أنها الحق، ثم تدعي لنفسها حكمة، فقد كذبت مرتين.
اسمعوا أيها السادة: قامت بين اثنين من فلاسفة الرأي مناظرة في صحيفة من الصحف، وتساجلا في مقالات عدة، فلما عجز أضعفهما حجة وكعمه الجدال، كتب مقالته الأخيرة فجاءت سقيمة، فلم ترضه فبيتها ونام عنها على أنه يرسلها من الغداة بعد أن يردد نظره فيها ويصحح آراءه بالحجج التي يفتح بها عليه. قالوا: فلما نام تمثلت له المقالة في أحلامه جسما حيا موهونا مترضضا، مخلوعا من هنا مكسورا من هناك، مجروحا مما بينهما؛ ثم كلمته فقالت له: ويحك أيها الأبله! إن أردت أن تغلب صاحبك وتسكته عنك، فاحمل مقالتك إلى رأسه في العصا لا في الجريدة...
قال صاحب السر: وضحك القوم جميعا، وأذعنوا وانصرفوا مقتنعين، قد خلصت دخلتهم لذلك الرجل الحر وتنصلوا من جريمة كانت في أيديهم، وما جاء الباشا بمعجز من القول، ولكن تصويره للمسألة كان حلا لها في نفوسهم. فلما أدبروا تنفس الباشا كأنما خرج من البحر وكان يتعاطى إنقاذ غريق ويعاني فيه حتى نجا؛ ثم قال لي: إن هذا كان جوابا عن شيء في أنفسهم، ولكنه هو سؤال عن شيء في أنفسنا: ما الذي يجعل الناس عندنا يخشون المعارضة في الرأي الوطني حتى أنهم ليجازون عليها بهذه العقوبة الشعبية المنكرة؟ وما بالهم لا يعطون الرأي حكمه وحقيقته، بل يعطونه من حكم أنفسهم وحقائقها وشهواتها المتقلبة، حتى لترجع الفروق الضعيفة المتجانسة في أبناء الوطن الواحد وكأنها من الخلاف والمباينة فروق جنسية كالتي تكون بين إنسان من أمة، وإنسان من أمة أخرى تعاديها.