فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 1123

هذه، فينزلون من الكبار تلك المنزلة؛ إذ تكون الحماسة متممة لقوة العلم. وفي الحديث:"أمتي كالمطر: لا يدري أوله خير أم آخره".

قال الراوي: ولم يكد الصديق يحفظ عني هذا الكلام ويهم بتبليغه، حتى وقعت الصيحة في المكان؛ فجاء أحد الخطباء ووقف يفعل ما يفعله الرعد: لا يكرر إلا زمجرة واحدة؛ وكان الشيوخ الأجلاء قد سمعوا كل ما قيل، فأطرقوا يسمعونه مرة رابعة أو خامسة؛ وفرغ الشباب من هديره فتحول إليهم وجلس بين أيديهم متأدبا ومتخشعا ووضع الصندوق المختوم.

فقال أحد الشيوخ: لم يخف علينا مكانك، وقد بذلتم ما استطعتم؛ فبارك الله فيك وفي أصحابك.

وسكت الشاب، وسكت الشيوخ، وسكت الصندوق أيضا...

ثم تحركت النفس بوحي الحالة؛ فمد أولهم يده إلى جيبه، ثم دسها فيه، ثم عيَّث فيه قليلا1؛ ثم... ثم أخرج الساعة ينظر فيها.

وانتقلت العدوى إلى الباقين، فأخرج أحدهم منديله يتمخط فيه، وظهرت في يد الثالث سبحة طويلة, وأخرج الرابع سواكا فمر به على أسنانه، وجر الخامس كراسة كانت في قبائه، ومد صاحب اللحية العريضة أصابعه إلى لحيته يخللها؛ أما السابع صاحب"اللالحية"، فثبتت يده في جيبه ولم تخرج، كأن فيها شيئا يستحيي إذا هو أظهره، أو يخشى إذا هو أظهره من تخجيل الجماعة.

وسكت الشاب، وسكت الشيوخ، وسكت الصندوق أيضًا...

قال الراوي: ونظرت فإذا وجوههم قد لبست للشاب هيئة المدرس الذي يقرر لتلميذه قاعدة قررها من قبل ألف مرة لألف تلميذ، فخجل الشاب وحمل صندوقه ومضى...

أقول أنا: فلما انتهى الراوي من"قصة الأيدي المتوضئة"، قلت له: لعلك أيها الراوي استيقظت من الحلم قبل أن يملأ الشيوخ الأجلاء هذا الصندوق، وما ختم عقلك هذه الرواية بهذا الفصل إلا بما كددت فيه ذهنك من فلسفة تحول السيف إلى خشبة، ولو قد امتد بك النوم لسمعت أحدهم يقول لسائرهم: بمن ينهض إخواننا المجاهدون وبمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت