بعد الخذلان، وأقبل جده بالثراء والغنى؛ فعاد إلى البصرة, وأراد أن يتحلل، فجاءك بالمال وعليه ما كان يربحه في هذه الثلاثين سنة، وإلى ذلك طرائف وهدايا.
قال أحمد بن مسكين: وأنقلب إلى داري فإذا مال جم وحال جميلة! فقلت: صدق الشيخ:"لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة"! فلو أن هذا الرجل لم يلق في وجهه أبا نصر، في هذه الطريق، في هذا اليوم، في هذه الساعة، لما اهتدى إلي؛ فقد كان أبي مغمورًا لا يعرفه أحد وهو حي؛ فكيف به ميتا من وراء عشرين سنة؟
وآليت ليعلمن الله شكري هذه النعمة؛ فلم تكن لي همة إلا البحث عن المرأة المحتاجة وابنها، فكفيتهما وأجريت عليهما رزقا، ثم اتجرت في المال، وجعلت أربه بالمعروف والصنيعة والإحسان وهو مقبل يزداد ولا ينقص، حتى تمولت وتأثلت.
وكأني قد أعجبتني نفسي، وسرني أني قد ملأت سجلات الملائكة بحسناتي، ورجوت أن أكون قد كتبت عند الله في الصالحين، فنمت ليلة فرأيتني في يوم القيامة والخلق يموج بعضهم في بعض، والهول هول الكون الأعظم على الإنسان الضعيف، يسأل عن كل ما مسه من هذا الكون. وسمعت الصائح يقول: يا معشر بني آدم! سجدت البهائم شكرًا لله أنه لم يجعلها من آدم. ورأيت الناس وقد وسعت أبدانهم فهم يحملون أوزارهم على ظهورهم مخلوقة مجسمة، حتى لكأن الفاسق على ظهره مدينة كلها مخزيات!
وقيل: وضعت الموازين. وجيء بي لوزن أعمالي، فجعلت سيئاتي في كفة وألقيت سجلات حسناتي في الأخرى، فطاشت السجلات ورجحت السيئات، كأنما وزنوا الجبل الصخري العظيم الضخم بلفافة من القطن.
ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كانت أصنعه فإذا تحت كل حسنة شهوة خفية من شهوات النفس: كالرياء والغرور وحب المحمدة عند الناس وغيرها، فلم يسلم لي شيء, وهلكت عني حجتي، إذ الحجة ما يبينه الميزان، والميزان لم يدل إلا على أني فارغ.
وسمعت الصوت: ألم يبق لي شيء؟ فقيل: بقي هذا.