أنا أمشي لأنتهي إلى آخر مصيبتي، وهم يمشون لينتهوا إلى آخر الطريق؛ وشتان ما نحن وشتان!
ولما رأيت قبرها ابتدرت عيناني تنظران بالدموع لا بالنظر، ورأيت التراب كأنه غيوم ملونة بألوان السحب الداكنة تتهيأ في سمائها تحت الظلام لتخفي كوكبا من الكواكب؛ وظهر لي القبر كأنه فم الأرض يخاطب الإنسان بحزم صارم، يخاطب الفقير والغني، والضعيف والقوي، والملوك والصعاليك:"أن كل قوة تنزع هنا".
قال المسكين: وكما يجد الإنسان في أيام المطر رائحة النسيم المبتل بالماء، كنت أستروح في رجعتي إلى الدار رائحة نسيم مبتل بالدموع، وحضرت المأتم وعزاني الناس، فكنت فيهم كالمأسور بينهم: لا أتمنى إلا أن يدعوني فأنجو على وجهي، ولا أرى إلا أنهم يجرعونني الوجود غصصًا كما تجرعت الفقد غصة غصة؛ إلى أن تفرقوا مع سواد الليل فانكفأت إلى الدار، فإذا كل شيء قد تغير ولمسه الموت لمسة، وإذا الدار نفسها كالعين المقروحة من آثار البكاء: ما ثم شيء إلا ليطالعني بأن مسراتي قد ماتت!
ولاح الصبح لعيني الساهرتين صبحا فاترا تبينت فيه الخجل، كأنه يقول:"لم أطلع لك"فانسللت من البيت، وذهبت أمشي في دنيا هي الكآبة المضيئة سخرت الأقدار منها بإظهارها في هذا الضوء مظهر وجه العجوز المتصابية في زينة لا تزيدها إلا قبحًا!
ومضيت على وجهي لا غاية لي، أضرب في كل جهة كأنما أريد أن أهرب من نفسي! وما خطر لي قط أني يوم جديد، بل كنت عند نفسي لا أزال. أمس، وتغير عندي الزمان والمكان: فأحدهما ساعة موت لا تترك ما فيها، والآخر قبر ميتة لا يرد ما فيه.
آه من الوقت الذي ينتهي فيه الموجود ليعذبنا بالتذكر أنه كان موجودًا.
قال المسكين ثم أعادتني قدماي إلى البيت لأرى طفلتي -وما كنت رأيتها- ولقد كانت ولادتها أول الحياة لها، وأول الحياة لي أيضا، إذ لولاها لانتحرت غير شك.
يا ويلتا! لم تلتق عيني بعين الطفلة حتى انفجرت تبكي. أتبكين لي يا ابنتي أم علي؟