فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 1123

ثم سألتني: ما بالك لم تشرب الخمر ولم تدخل في الديوان؟ فبدر شيطاني المؤمن وساق في لساني خبر أمي وأبي، فانتضحت عيناها باكية وتم لها رأي في كرأيي أنا في المسكر؛ وكان شيطانها بعد ذلك شيطانا خبيثا مع أصحابها، وبطريقا زاهدا معي أنا وحدي!

ورأيتها لا تجالسني إلا متزايلة كالعذراء الخفرة إذا انقبضت وغطت وجهها، وصارت تخافني لأنها تحبني، وهيبني الشيطان إليها فعادت لا ترى في الرجل الذي هو تحت عينيها الثيبتين, ولكن القديس الذي تحت قلبها البكر.

ولم يعد جمالي هو الذي يعجبها ويصبيها، بل كان يعجبها مني أني صنعة فضيلتها التي لم تصنع شيئا غيري.

وانطلق الشيطان بعد ذلك في وفيها بدهائه وحنكته وبكل ما جرب في النساء والرجال من لدن آدم وحواء إلى يومي ويومها! فكان يجذبني إليها أشد الجذب, ويدفعها عني أقوى الدفع، ثم يغريني بكل رذائلها ولا يغريها هي إلا بفضائلي، وألقى منها في دمي فكرة شهوة مجنونة متقلبة، وألقى مني في دمها فكرة حكمة رزينة مستقرة. وكنت ألقاها كل يوم وأسمع غناءها؛ فما هو بالغناء ولكنه صوت كل ما فيها لكل ما في، حتى لو التصق جسمها بجسمي وسار البدن البدن، وهمس الدم للدم، لكان هو هذا الغناء الذي تغنيه.

1 كانت العرب تزعم أنه إذا قتل اثنان فجرى دمياهما طريق واحد ثم التقيا، حكم عليهما أنهما كانا متحابين، فإن لم يلتقيا حكم عليهما أنهما كانا متشانئين. وما أجملها خرافة وأشعرها.

وأصبحت كلما استقمت لحبها تلوث علي؛ إذ لست عندها إلا الأمل في المغفرة والثواب، وكأنما مسخت حبلا طوله من هنا إلى الجنة لتتعلق به. وعاد امتناعها مني جنونا دينيا ما يفارقها، فابتلاني هذا بمثل الجنون في حبها من كلف وشغف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت