فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 1123

على السواء؛ ومن كانوا كذلك لم يحقروا الفقير بفقره, ولم يعظموا الغني لغناه، وإنما يحقرون ويعظمون لصفات سامية أو حقيرة. وبين هؤلاء يكون الفقير الصابر أعظم قدرا من الغني الشاكر، وإعظام الناس لفضيلة الفقير هو الذي يجعل فقره عند نفسه شيئا ذا قيمة في الإنسانية.

ومتى تصححت آراء الجماعة في هذه المعاني المؤلمة للناس بطل ألمها واستحالت معانيها، وصار لا يبلى معنى من معاني الحياة في إنسان إلا وضع إيمانه معنى جديدًا في مكانه، وتصبح الفضيلة وحدها غاية النفس في الجميع، وبذلك يصبر الفرد على مصائبه، لا بقوته وحده، ولكن بجميع القوى التي حوله. أفلا ترون أن إعجاب الناس بالشجاعة وتعظيمهم صاحبها يضع في ألم السلاح لذة يحسها لحم الشجاع البطل؟

قال المسيب بن رافع: فقام رجل من المجلس، فقال: أيها الشيخ، وإذا فسد الناس وغلظت قلوبهم، وتقطعت بينهم الأسباب، ولم يعودوا"رحماء بينهم", وشمتوا بالفقير، وتهزءوا بالمبتلى وطرحوه في ألسنتهم كما يطرح الشاعر في لسانه رجلا يهجوه لا يكف عنه -فما عسى أن يصنع المسكين حينئذ وكل شيء يدفعه إلى قتل نفسه؟

وقال الشعبي: ههنا الرجاء في الله واليوم الآخر، وهو شعور لا يشترى بمال، ولا يلتمس من أحد، ولا يعسر على من أراده، والفقير والمبتلى وغيرهما إنما يصنع كل منهم مثاله السامي؛ فالصبر على هذا العنت هو صبر على إتمام المثال، وإذا وقع ما يسوءك أو يحزنك فابحث فيه عن فكرته السامية، فقلما يخلو منها، بل قلما يجيء إلا بها1.

قال المسيب: فقام آخر فقال: وكيف يصنع امرؤ آلت أحوال الدنيا إلى ما يخيفه، أو بلغ الهم مبلغه من قلبه فهم أن يقتل نفسه؟

قال الشعبي: فليجعل الخوف خوفين: أحدهما خوفه عذاب الله خالدًا مخلدًا فيه أبدًا؛ فيذهب الأقوى بالأضعف، وإذا ابتلي فليضم إلى نفسه من هو أشد بلاء منه؛ ليكون همه أحد همين، فيذهب الأثقل بالأخف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت