فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1123

في هذه الأيام الطبيعية التي يجعلها المصيف أيام سرور ونسيان، يشعر كل إنسان أنه يستطيع أن يقول للدنيا كلمة هزل ودعابة.

من لم يُرزق الفكر العاشق لم ير أشياء الطبيعة إلا في أسمائها وشياتها، دون حقائقها ومعانيها، كالرجل إذا لم يعشق رأى النساء كلهن سواء، فإذا عشق رأى فيهن نساء غير من عرف، وأصبحن عنده أدلة على صفات الجمال الذي في قلبه.

تقوم دنيا الرزق بما تحتاجه الحياة، أما دنيا المصيف فقائمة بما تلذه الحياة، وهذا هو الذي يغير الطبيعة ويجعل الجو نفسه هناك جو مائدة ظرفاء وظريفات.

تعمل أيام المصيف بعد انقضائها عملًا كبيرًا، هو إدخال بعض الشعر في حقائق الحياة.هذه السماء فوقنا في كل مكان، غير أن العجيب أن أكثر الناس يرحلون إلى المصايف ليروا أشياء, منها السماء.

إذا استقبلتَ العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيق لا هي.

في الساعة التاسعة أذهب إلى عملي، وفي العاشرة أعمل كَيْت، وفي الحادية عشرة أعمل كيت وكيت؛ وهنا في المصيف تفقد التاسعة وأخواتها معانيها الزمنية التي كانت تضعها الأيام فيها، وتستبدل منها المعاني التي تضعها فيها النفس الحرة.

هذه هي الطريقة التي تصنع بها السعادة أحيانًا، وهي طريقة لا يقدر عليها أحد في الدنيا كصغار الأطفال.إذا تلاقى الناس في مكان على حالة متشابهة من السرور وتوهمه والفكرة فيه، وكان هذا المكان معدًّا بطبيعته الجميلة لنسيان الحياة ومكارهها, فتلك هي الرواية وممثلوها ومسرحها [1] ، أما الموضوع فالسخرية من إنسان المدينة ومدنية الإنسان.ما أصدق ما قالوه: إن المرئي في الرائي. مرضت مدة في المصيف،

(1) - يظن صديقنا العلامة الكبير الأمير شكيب أرسلان أن المسرح لدار التمثيل غير صحيح, وأن صوابها المزرح ولكن الصاحب بن عباد استعملها في قريب من معنى دار التمثيل, وأصلها من مرادفات نديّ القوم ومجتمعهم.

فانقلبت الطبيعة العروس التي كانت تتزين كل يوم إلى طبيعة عجوز تذهب كل يوم إلى الطبيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت