فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 1123

فالعقل الروحاني الآتي من الإيمان، لا عمل له إلا أن ينشئ للنفس غريزة متصرفة في كل غرائزها، تكمل شيئا وتنقص من شيء، وتوجه إلى ناحية وتصرف عن ناحية؛ وبهذه الغريزة تسمو الروح فتكون أكبر من مصائبها وأكبر من لذاتها جميعا.

وتلك الغريزة هي نفسها معنى الرضى بالقدر خيره وشره, وهي تأتي بالتأويل لكل هموم الدنيا، فتضع في النكبات معاني شريفة تنزع منها شرها وأذاها للنفس؛ وليست المصيبة شيئا لولا تأذي النفس بها، وإذا وقع التأويل في معاني النكبات أصبحت تعمل عمل الفضائل، وتغيرت طبيعتها فيعود الفقر بابا من الزهد، والمرض نوعا من الجهاد، والخيبة طريقا من الصبر، والحزن وجها من الرجاء، وهلم جرا.

والنفس وحدها كنز عظيم، وفيها وحدها الفرح والابتهاج لا في غيرها، وما لذات الدنيا إلا وسائل لإثارة هذا الفرح وهذا الابتهاج، فإن وجدا مع الفقر بطلت عزة المال وأصبح حجرا من الحجر؛ والبلبل يتغرد بحنجرته الصغيرة ما لا تغني فيه آلات التطريب كلها. وفي النفس حياة ما حولها، فإذا قويت هذه النفس أذلت الدنيا، وإذا ضعفت أذلتها الدنيا!.

قال المسيب: ثم سكت الشيخ قليلا، وكنت أرى الرجل كأنما يغتسل بكلامه، وقد أشرق وجهه وتنضر وانقلب على روحه التي كان منصرفا عنها، فعادت مصائبه تضغط روحا لينة كما تضغط اليد على الماء، وأيقن أن النكبة كلها هي أن ينظر الإنسان إلى الحياة بعين شهواته, فينكب أول ما ينكب في صبره ويقينه.

ثم قال الشيخ: ولقد رأيت بعيني رأسي معجزة"العقل الروحاني"وكيف يصنع؛ رأيت عروة بن الزبير1 وهو شيخ كبير، عند الوليد بن عبد الملك، وقد وقعت في رجله الأكلة: فأشاروا عليه بقطعها لا تفسد جسده كله، فدعي له من يقطعها فلما جاء قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما، فقال عروة: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية! قال: فنسقيك المرقد. فقال عروة: ما أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت