فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 1123

عليه المصائب، وتوالت النكبات، وتواترت الأسقام... ثم اقتصصت ما قال ابنه حرفا حرفا، ثم قلت؛ وإنه الآن موشك أن يزهق نفسه وسيتبعه ابنه هذا؛ وقد"هداه الله إليك فجاء يسلك, أيموت مسلما من ألجئ وأكره واضطر واستضاق واختل، فتحسى سما فهلك، أو توجأ بحديدة فقضى، أو ذبح نفسه بنصل فخفت، أو حز في يده بسكين فما رقأ دمه حتى مات، أو اختنق في حبل ففاضت نفسه، أو تردى من شاهق فطاح!"

وأدرك الشيح معنى قولي:"هداه الله إليك"ومعنى ما أكثرت من الألفاظ المرادفة على القتل وما استقصيت من وجوهه؛ فعلم أن لم أسأله الفتيا والنص، ولكني سألته الحكمة والسياسة؛ فقال: هذا -والله- رجل كريم، أخذته الأنفة وعزة النفس, وما أنا الساعة بمعزل عن همه, فنذهب نكلمه والله المستعان.

ومشينا ثلاثتنا، فلما شارفنا الدار قال الفتى: إنه لا يفتح لي إذا رآكما، وربما استفز بنفسه فأزهقها، وسأتسور الحائط وأتدلى ثم أفتح لكما فتدخلان وأنا عنده.

ودخلنا، فإذا رجل كالمريض من غير مرض، خوار مسلوب القوة، انزعج قلبه إلى الموت وما به جرأة، وإلى الحياة وما به قوة؛ وصغر إليه نفسه أنها أصبحت في معاملة الناس كالدرهم الزائف لا يقبله أحد، وثابر عليه داء الحزن فأضناه وتركه روحا تتقعقع في جلدها، فهي تهم في لحظة أن تثب وتندلق.

وسلم الشيخ وأقبل بوجهه على الرجل، ثم قال:"بسم الله الرحمن الرحيم، {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] ".

فقطع عليه الرجل وقال كالمحنق: أيها الشيخ، قد صبرنا حتى جاء ما لا صبر عليه؛ وقد خلونا من معاني الكلام كله؛ فما نقدر عليها إلا لفظة واحدة نملك معناها، هي أن ننتهي!

ومد الشيخ عينه فرأى كوة مسدودة في الجدار، فقال لي: افتح هذه ودع الهواء يتكلم معنا كلامه. فقمت إليها فعالجتها حتى فتحتها، ونفذ منها روح الدنيا، وقال الشيح للرجل: أصغ إلي، فإذا أنا فرغت من الكلام فشأنك بنفسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت