قال المسيب: فكأنما لدغتني حية بهذه الكلمة، وأكبرت أن يكون رجل مسلم يقتل نفسهن فتناهضت، ولكن الغلام أمسك بي وقال: إنه لا يزال حيا، وسيقتل نفسه متى أظلم الليل وهدأت الرجل.
قلت: الحمد لله، إن في النور عقلا، ولكن ما الذي صار به إلى ما قلت، وكيف تركته لقدره وجئت؟
قال الفتى: إنه قال لي: يا ولدي، ليس لك أب بعدي، فإن أردت اللحاق بي فارجع مع الليل لنسلم أنفسنا، وإن آثرت الحياة فارجع مع الصبح لتسلمني إلى غاسلي!
قلت: أفآمن أنت ألا يكون أبوك قد أخرجك عنه لأن عينك تمسك يديه وترده عما يهم به، حتى إذا خلا وجهه منك أزهق نفسه؟
قال: لم أدعه حتى أقسم أن يحيا إلى الليل، وحتى أقسمت أن أرجع لأموت معه؛ فإن لم تمسكه يمينه أمسكه انتظاري، وقد فرغت الحياة منا فلم يبق إلا أن نفرغ منها؛ ومن كان فيما كنا في ثم انحدر إلى ما انحدرنا إليه، لم ير الناس من نفسه ضعة ولا استكانة، وإنما خرجت لأسأل هذا الإمام"الشعبي"وجها من الرأي فيمن يقتل نفسه إذا ضاقت عليه الدنيا، ونزلت به النازلات، وتعذر القوت، واشتد الضر، وتدلت به المسكنة إلى حضيضها، وألجئ إلى أحوال دقته دق الرحى لما تدور عليه، ولم يعد له إلا رأي واحد في معنى الدنيا, هو أنه مكذوب مزور على الدنيا.
قلت: يا بني، فإني أراك أديبا، فمن أبوك؟
قال: هو فلان التاجر، ظهر ظهور القمر ومحق محاقه، وهو اليوم في أحلك الليالي وأشدها انطماسا؛ جهده الفقر، ويا ليته كان الفقر وحده، بل انتهكته العلل، وليتها لم تكن إلا العلل مع الفقر، بل أخذ الموت امرأته فماتت هما به وبي، ولم يكن له غيري وغيرها، وكان كل من ثلاثتنا يحيا للاثنين الآخرين، فهذا ما كان يجعل كلا منا لا يفرغ إلا امتلأ، ولما ذهبت الأم ذهبت الحقيقة التي كنا نقاتل الأيام عنها، وكانت هي وحدها ترينا الحياة بمعناها إن جاءتنا الحياة فارغة من المعنى، وكنا من أجلها نفهم الأيام على أنها مجاهدة البقاء؛ أما الآن فالحياة عندنا قتل الحياة!