ومن ثم كانت الحقيقة الصريحة الثابتة مدعاة للملل العقلي في الإنسان، لا يكاد يقيم عليها أو يتقيد بها، فما نال شيئا إلا ليطمع في غيره، وما فاز بلذة إلا ليزهد فيها، وأجل ما أحبه الإنسان أن يناله، فإذا ناله وقع فيه معنى موته، وبدأ في النفس عمرا آخر من حالة أخرى، أو مات لم يبدأ؛ فلا بد لهذا الإنسان مع كل صواب من جزء من الخطأ، فإن هو لم يجد خطأ في شيء ائتفك لنفسه1 الخطأ المضحك في شبه رواية خيالية.
إنه لشعر سخيف بالغ السخافة أن يتخيل الغريق مفكرًا في صيد سمكة رآها... ولكن هذا من أبلغ البلاغة عند العقل الذي يبحث عن وهم يضيفه إلى هذه الحقيقة ليضحك منها، كما يبحث لنفسه أحيانا في أجمل حقائق اللذة عن ألم يتألم به ليعبس فيه!
1 كذب واخترع، ومنه حديث الإفك.
قلت لنفسي: فهل ينبغي لي أن أحرق دمي لأني أفكر, وهل أظل دائما بهذا التفكير كالذي ينظر في وجه حسناء بمنظار مكبر؛ لا يريه ذلك الوجه المعشوق إلا ثقوبا وتخريما كأنه خشبة نزعت منها مسامير غليظة...! فلا يجد المسكين هذه الحقيقة إلا ليفقد ذلك لجمال؟ وهل بد من الشبه بين بعض الناس وبين ما ارتصد له من عمل يحيا به؛ فلا يكون الحوذي حوذيا إلا لشبه بين نفسه وبين الخيل والبغال والحمير؟
وقالت لي النفس: إن فأس الحطاب لا تكون من أداة الطبيب؛ فخذ لكل شيء أداته، وكن جاهلا أحيانا، ولكن مثل الجهل الذي يصنع لوجه الطفل بشاشته الدائمة، فهذا الجهل هو أكبر علم الشعور الدقيق المرهف، ولولاه لهلك الأنبياء والحكماء والشعراء غما وكمدا، ولكانوا في هذا الوجود، على هذه الأرض، بين هذه الحقائق, كالذي قيد وحبس في رهج تثيره القدم والخف والحافر, لا يتنفس إلا الغبار يثار من حوله إلى أن يقضى عليه.