فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 1123

بوشك فنائه فلا يحدث إلا الألم إن نال أو لم ينل، وهو منته بجسمه إلى الموت الحيواني بين آكل ومأكول على سنة الطبيعة الفانية.

أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك.

إن الحكيم الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيتعرف أسرارها، لا تكون له حياة الذي يتعلق بظاهرها ولا أخلاقه ولا نظرته؛ هذا الأخير هو في نفسه شيء من الأشياء له مظهر المادة وخداعها عن الحقيقة؛ وذلك الأول هو نفسه سر من الأسرار له روعة السر وكشفه عن الحقيقة، ولهذا كان في حياة الأنبياء والحكماء ما لا يطبقه الناس ولا يضبطونه إذا تكلفوه، بل ينخرق عليهم فيكون منه العجز والغلط، ويحدث من الغلط الزلل.

ونظرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوجود نظرة شاملة مدركة لحقيقة اللانهاية، فيرى بداية كل شيء مادي هي نهايته في التو واللحظة، فلا وجود له إلا عارضا مارا، فهو في اعتباره موجود غير موجود، مبتدئ منته معا؛ وبذلك تبطل عنده الأشياء المادية وتأثيرها، فلا تتصل بنفسه العالية إلا من أضعف جهاتها، ويجد لها الناس في حياتهم الشجرة والفرع والثمرة، وما لها عنده هو جذر ولا فرع؛ وبهذا لم يفتنه شيء ولم يتعلق به شيء.

وكانت الدنيا تطول الناس وتتقاصر عنه، وكانت منقطعة النماء وهو ذاهب في نموه الروحي، وكأنما هو صورة أخرى من آدم"عليه السلام"؛ فكلاهما لمس بنفسه الحياة جديدة خالية مما جمع فيها الزمن وأهله من طمع وشره، وجاء آدم ليعطي الأرض ناسها من صلبه، وجاء محمد ليعطي الناس قوانينهم في فضائله؛ فآدم بشخصه هو دنيا بعثت لتتسع، ومحمد بشخصه هو دنيا بعثت لتنتظم.

وماذا يفهم من الفلسفة الأخلاقية النبوية العظيمة؟ يفهم منها أن الشهوات خلقت مع الإنسان تتحكم فيه، لينقلب بها إنسانًا يتحكم فيها؛ وأن الإنسان الصحيح الذي لم تزوره الدنيا يجب أن يكون ذا روح يمتد فيفيض عن غايات جسمه إلى ما هو أعلى فأعلى حتى يصبح في حكم النور وانطلاقه وحريته، ولا ينكمش فيحصره جسمه في غاياته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت