فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 1123

وكل صفات النبي صلى الله عليه وسلم -مما ذكرناه وما لم نذكره- متى اعتبرت بذلك الأصل الذي بيناه انتظمها جميعا، فجاء بعضها تمامًا على بعض في نسق رياضي عجيب، وظهرت حكمة كل منهما واضحة مكشوفة، ورأيتها في مجموعها تصف لك عمرا هندسيا دقيقا قد بلغ الغاية من الكمال والروعة والدقة، لا يعد جزء منه جزءًا، بل كله أجزاؤه، وأجزاؤه كله؛ كالوضع الهندسي: إما أن يكون بكله، وإما ألا تكون فيه الهندسة كلها.

وليس مجموع تلك الصفات في معناه إلا صنعة الإنسان صنعة جديدة تخرجه موجودًا من ذات نفسه، وتكسرت القالب الأرضي الذي صب فيه وتفرغه في مثل قالب الكون، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تخضعه المادة، ولا يؤتى من سوء نظره لنفسه, ولا تغره الدنيا، ولا يمسكه الزمان؛ إذ كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحر فيها، والخاضع بنفسه لا المستقبل بها، والمقبور في إنسانيته لا الحي فوق إنسانيته، ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالا مبتورًا ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه.

ومن المقابلة العجيبة أن يكون في الإنسان الاجتماعي حيوان، تقابله الحكمة في الحيوان الأليف بإنسان, وحكمها واحد ومنطقهما لا يختلف. فلو أنك سألت حيوان الأعصاب عن صاحبه الإنسان لقال لك: هو غلتي ومزرعتي. ولو سألت كلبا عن حبه صاحبه ومبلغ هذا الحب في نفسه لما زاد في جوابه على أنه يحبه حب اللقمة والعظمة.

ومتى كان الإنسان في حكم حواسه لم تعد الأشياء عنده كما هي في نفسها بمعانيها الطبيعية المحدودة، وانقلبت كما هي في وهمه بمعان متفاوتة مضطربة، فلا يشعر المرء بائتلاف الوجود وتعاونه، ولكن باختلافه وتناقضه، فمن ثم لا تكون أسباب اللذة إلا من أسباب الإثم، ويدخل في كل حب بغض، وفي كل رغبة طمع، وفي كل خير شر، وفي كل صريح خبيء، وهلم جرا، إذ لا بد من هذا كله متى غلب الفاني على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت