قوة الخلق هي التي تجعل الرجل العظيم ثابتا في مركز تاريخه لا متقلقلا في تواريخ الناس، محدودا بعظائم شخصيته الخالدة لا بمصالح شخصه الفاني، ناظرا في الحياة إلى الوضع الثابت للحقيقة لا إلى الوضع المتغير للمنفعة.
وما كان أولئك الأشراف وسفهاؤهم وعبيدهم إلا معاني الظلم، والشر، والضعف، تقول للنبي العظيم الذي جاء يمحوها ويديل منها: إننا أشياء ثابتة في البشرية.
1 الحائط: البستان، وجمعه حوائط.
لم يكن منهم الأشراف والسفهاء والعبيد، بل كان منهم العسف، والرق، والطيش، تسخر ثلاثتها من نبي العدل، والحرية، والعقل، فما تسخر إلا من نفسها.
صغائر الحياة قد أحاطت بمجد الحياة، لتثبت الصغائر أنها الصغائر، وليثبت المجد أنه المجد.
كان الفريقان هما الفكرتين المتعاديتين أبدا على الأرض: إحداهما عش لتأكل وتستمتع وإن أهلكت، والأخرى عش لتعمل وتنفع الناس وإن هلكت.
كانت الأقدار تبادي هذا الروح الواسع بذلك الروح الضيق، لينطلق الواسع من مكانه ويستقبل الدنيا التي عليه أن ينشئها. فأولئك الأشراف والسفهاء والعبيد إن هم إلا الضيق، والركود، وذل العيش، حول السعة الروحية، والسمو، وطهارة الحياة.
وقف المعنى السماوي بين معاني الأرض، ولكن نور الشمس ينبسط على التراب فلا يعفره التراب، وما هو بنور يضيء أكثر مما هو قوة تعمل بالعناصر التي من طبيعتها أن تحول، في العناصر التي من شأنها أن تتحول.
وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أولئك المستهزئين قوة أخرى, هي القدرة التي تعمل بهذا النبي للعالم كله، وبهذه القدرة لم ينظر النبي إلى قريش وصولتهم عليه إلا كما ينظر إلى شيء انقضى، فكان الوجود الذي يحيط به غير موجود، وكانت حقيقة الزمن الآتي تجعل الزمن الحاضر بلا حقيقة.