وتظل الفاسقة مدة حملها تسعة أشهر في إحساس خائف، مترقب، منفرد بنفسه، منعزل عن الإنسانية، ناقم، متبرم، متستر، منافق؛ فلو كان السفيح من أبوين كريمين لجاء ثعبانًا آدميًّا فيه سمه من هذا الإحساس العنيف. ومتى ألقت الفاسقة ذا بطنها2 قطعته لتوه من روابط أهله وزمنه وتاريخه ورمت به ليموت؛ فإن هلك فقد هلك، وإن عاش لمثل هذه الحياة فهو موت آخر شر من ذلك؛ ومهما يتوله الناس والمحسنون، فلا يزال أوله يعود على آخره؛ مما في دمه وطباعه الموروثة؛ ولا يبرح جريمة ممتدة متطاولة، ولا ينفك قصة فيها زانٍ وزانية، وفيها خطيئة ولعنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 ولدته لغية أي: من سفاح, وضده: لرشده بفتح الراء.
2 أي: وضعت وولدت، وهو تعبير عربي بليغ.
فهؤلاء -كما رأيت- أولاد الجرأة على الله، والتعدي على الناس، والاستخفاف بالشرائع، والاستهزاء بالفضائل؛ وهم البغض الخارج من الحب، والوقاحة الآتية من الخجل، والاستهتار المنبعث من الندامة؛ وكل منهم مسألة شر تطلب حلها أو تعقيدها من الدنيا، وفيهم دماء فوَّارة تجمع سمومها شيئًا فشيئًا كلما كبروا سنة فسنة.
قال أبو هاشم: ألا لعنة الله على ذلك الرجل الفاسق الذي اغتر تلك المرأة فاستزلها وهَوَّرها في هذه المهواة, أكان حق الشهوة عليه أعظم من حق هذا الآدمي. أما كان ينبغي أن يكون هذا الآخر هو الأول في الاعتبار، فيعلم أن هذا اللقيط المسكين هو سبيله إلى صاحبته، وهو البلاغ إلى ما يحاوله منها؛ فيكون كأنما دخل بين الاثنين ثالث يراهما... فلعلهما يستحيان.
قال الحوذي الفيلسوف: لعنة الله على ذلك الرجل، ولعنات الله كلها، ولعنات الملائكة والناس أجمعين على تلك المرأة التي انقادت له واغترت به. إن الرجل ليس شيئًا في هذه الجريمة، فقد كانت بصقة واحدة تغرقه، وكانت صفعة واحدة تهزمه، وكان مع المرأة الحكومة والشرائع والفضائل، ومعها جهنم أيضًا.