والرابعة غَطْرَسة المرأة المتعلمة، وكبرياؤها على الأنوثة والذكورة معًا؛ فترى أن الرجل لم يبلغ بعد أن يكون الزوج الناعم كقفاز الحرير في يدها، ولا الزوج المؤنث الذي يقول لها: نحن امرأتان, فهي من أجل ذلك مطلقة مخلاة كيلا يكون عليها سلطان ولا إِمْرة؛ فمثل هذه حرة بانقلاب طبيعتها وزيغها، وهي مستعبدة لهوسها وشذوذها وضلالتها.
حرية المرأة في هذه المدنية أوّلها ما شئت من أوصاف وأسماء، ولكن آخرها دائمًا إما ضياع المرأة, وإما فساد المرأة.
والدليل على التواء الطبيعة في المدنية، استواء الطبيعة في البادية؛ فالرجال هناك قوَّامون على النساء، والنساء بهذا قوَّامات على أنفسهن؛ إذ ينتقمون للمنكر انتقامًا يفور دمًا؛ وبهذه الوحشية يقررون شرف العرض في الطبيعة الإنسانية، ويجعلونه فيها كالغريزة، فيحاجزون بين الرجال والنساء أول شيء بالضمير الشريف الذي يجد وسائله قائمة من حوله.
قال الراوي:
وغطت وجهها بيديها, وقالت: إنك لا تزال ترجم بالحجارة, إن فيك متوحشًا.
قلت: بل متوحشة.
إنكِ أنتِ قد تكلمتِ فيَّ، فجمالك الذي يضع الإنسان في ساعة مجنونة ليمتعه بطيشها، قد وضعنا نحن في ساعة مفكرة وأمتعنا بعقلها؛ وإذا قلت: جمالك، فقد قلت: وحيك، إذ لا جمال عندي إلا ما فيه وحي.
أَمَا قلتِ: إنك لو خُيرت في وجودك لما اخترتِ إلا أن تكوني رجلًا نابغة يكتب ويفكر ويتلقى الوحي من الوجوه الجميلة؟
فدقت صدرها بيدها وقالت: أنا؟ أنا لم أقل هذا. ثم أفكرت لحظة وقالت: إذا كنت أنت تزعم أنني قلته، فأظن أنني قلته.
قال"ح": رجل؛ ويكتب؛ ويفكر؛ ولم تقل هي شيئًا من هذا؟ أربع غلطات شنيعة من فساد الذوق.