فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 1123

الذراع [1] . فغابت فيه أصابعي، فلا أصابع لي ولا كف, وأبى الإبريق أن يسقيني وصار مُثْلَة بي، وتجسدت هذه الجريمة لتشهد علي، فأخذني الهول والفزع، وجاء إبريق من الهواء، فوقع في يد الوليد، فتركني ومضى.

وقلت لنفسي: ويحك يا أبا خالد! ما أراك إلا محاسبًا على حسناتك كما يحاسب المذنبون على سيئاتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

وبلغتني الصيحة الرهيبة: أين أبو خالد الأحول الزاهد العابد؟

قلت: ها أنا ذا.

قيل: طاوس من طواويس الجنة قد حُصَّ [2] ذيله فضاع أحسن ما فيه! أين ذيلك من أولادك؟ وأين محاسنك فيهم؟ أخُلقت لك المرأة لتتجنبها، وجعلت نسل أبويك لتتبرأ أنت من النسل؟

جئت من الحياة بأشياء ليس فيها حياة؛ فما صنعت للحياة نفسها إلا أن هربت منها، وانهزمت عن ملاقاتها؛ ثم تأمُلُ جائزة النصر على هزيمة!

عملت الفضيلةُ في نفسك ونشأتك، ولكنها عقمت فلم تعمل بك. لك ألف ألف ركعة ومثلها سجدات من النوافل، ولخير منها كلها أن تكون قد خرجت من صلبك أعضاء تركع وتسجد.

قتلت رجولتك، ووأدت فيها النسل، ولبثت طوال عمرك ولدًا كبيرًا لم تبلغ رتبة الأب! فلئن أقمت الشريعة، لقد عطلت الحقيقة، ولئنْ...

قال أبو خالد: ووقعتْ غُنَّة النون الثانية في مسمعي من هول ما خفت مما بعدها كالنفخ في الصور؛ فطار نومي وقمت فزعًا مشتت القلب، كمن فتح عينيه بعد غشية، فرأى نفسه في كفن في قبر سُد عليه!

(1) - الأسلة: ما يلي الكف من الذراع إلى القسم المستغلظ منها. فالأسلة هي العظمة التي تشد عليها ساعة اليد.

(2) - حص ذيله: قطع وجذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت