ليكون صوته كأنه صوت الدهر من بعيد. قال الصائح: ذلك أيها الشيخ صبر أولي العزم من الرسل، أو صبر ابنتك على مكاره العيش مع ابن أبي وداعة، لا يجد إلا رُمْقة يُمسك بها الرَّمَق عليها، وقد كانت النعمة لها معرضة، فدفعتها إليه -زعمت- لتهلك به شخصها الحيواني، وتوكلت على الله وألقيت ابنتك في اليم؟
فتربّد وجه الشيخ وأطرق هُنَيَّات، ثم رفع رأسه وقال: أين المتكلم آنفًا؟
فارتفع الصوت: ها أنا ذا. قال: ادن مني, فتقاعس الرجل كأنما تهيب ما فرَط منه. فاستدناه الثانية؛ فقام يتخطى الناس حتى وقف بإزائه ثم جلس؛ فقرأ الشيخ قوله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] .
ثم قال: أيها الرجل، لا تسمعني بأذنك وحدها, أرأيتَك1 لو سمعتَ خبرًا ليس في نفسك أصل من معناه، أو ورد عليك الخبر ونفسك عنه في شغل قد أهمها؛ أفكنت تنشط له نشاطك للخبر احتفلت له نفسك أو أصاب هوى منك أو رأيته موضع اعتبار؟
قال: لا.
قال الشيخ: فإذا سمعت بأذنك وحدها فإنما سمعت كلامًا يمر بأذنك مرًّا، وإذا أردت الكلام لنفسك سمعت بأذنك ونفسك معًا؟
قال: نعم.
قال الشيخ: فكل ما لا تنفرد به حاسة واحدة، بل تشارك فيه الحواس كلها أو أكثرها, لا يكون إلا موضع اهتمام للنفس؟
قال: نعم.
قال الشيخ: فمن هنا يكثر الفرح والحزن كلاهما إذا شاركت فيهما الحواس فيأتي كل منهما كثيرًا مهما قل، وتزيد كل حاسة في اللذة لذة وفي الألم ألمًا، فتعمل النفس في ذلك أعمالًا تسحر بها، فيكون الشيء لصاحبه غير ما هو للناس، كالصوت الباكي أو