…"كل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حب ما جاء به والرضا وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضوع فإنه مهم جدًا، به تعرف حقيقة الإيمان. (1) "
…من خلال ما سبق إيراده من نصوص، ندرك الأمور التالية:
1_ عظم شأن أعمال القلوب، وأنها روح العبودية ولبها، ومن ثم كانت واجبة على جميع المكلفين، وفي كل وقت.
2_ أن الإيمان المتعلق بالقلب قائم على أصلين: التصديق بالحق واعتقاده، ومحبة هذا الحق وإرادته، فالأول أصل القول، والثاني أصل العمل.
3_ أن التصديق _ بحد ذاته _ لا يعد إيمانًا شرعيًا، بل لابد من الانقياد والخضوع لشريعة الله، وإلا فمن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الكثير من أهل الكتاب والمشركين قديمًا وحديثًا يعرفون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، وأنه صادق، ومع ذلك فهم كفار؛ لأنهم لم يعملوا بما يوجبه هذا التصديق من الحب والتعظيم والانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم.
4_ أن مرجئة الكرامية (2) غلطوا عندما ظنوا أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط،
(1) مختصر الصواعق المرسلة 2/420، وانظر قريبًا من ذلك في زاد المعاد 3/638 .
(2) الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني (ت 255 هـ ) وهم طوائف متعدده من أهل الإثبات يغلب عليهم الارجاء في الإيمان، والتشبيه في الصفات، ولديهم انحرافات أخرى .
انظر: مقالات الإسلاميين 1/223، والملل والنحل 1/108