هذا ولقد انبرى شيخ فاضل [1] للدفاع عن البنا فقال لهذا المتهم:"فأنا أنصحك أيها الشيخ أن تصون لسانك وقلمك عن الوقيعة في هذا الداعية الذي نفع الله به".
فما كان منه إلا أن شن عليه غارة عظيمة، وعدّه صادًا عن سبيل الله بهذه النصيحة، وعدّه خاذلًا للحق، متظاهرًا مع أهل الباطل، ثم اتهمه بأنه بدفاعه عن البنا قد خدش توحيده! وقدح فيه، وأمره بالتوبة، ثم أفحش القول في البنا باتهامه أنه فعل الشرك الأكبر وأقر فاعليه عليه [2] .
وكل تلك الغارة الهائلة بسبب أمور في التصوف ابتدأ بها البنا حياته، مثل الكثرة الكاثرة من صالحي العالم الإسلامي الذين يحيط بهم التصوف من كل جوانبهم [3] ، لكن هذا المتهم لم ينظر في أقوال البنا في الصوفية حيث قال بعد كلام عن الصوفية الأولى مادحًا لها ــ كما مدحها شيخا الإسلام من قبل: ابن تيمية وابن القيم ــ:"لكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حدود علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرًا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف.. وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه..".
فهل بعد هذا الإيضاح والبيان مزيد؟
(1) هو الشيخ عبدالله بن جبرين حفظه الله تعالى.
(2) المصدر السابق.
(3) انظر لفهم هذه المسألة بالتفصيل وإعذار من نشأ في العالم الإسلامي محاطًا به التصوف من كل جانب سبيلًا أوحد في كثير من الأحيان خاصة في زمن البنا وقبله. انظر كتاب"العاطفة الإيمانية وأهميتها في الأعمال الإسلامية"لواضع هذه الرسالة ص 76 ــ 95.