الكعبين وأرجلِكم بالجر هذه قراءة ابن كثير، وهي تقتضي المسح على
الرجلين كالمسح على الرأس فيكون الوضوء غسلتين ومسحتين فالغسلتان
لليدين والوجه والمسحتان للرأس والرجلين، لكن إذا استشكلت هذا قرأت
بقراءة الجمهور فقلت: وأرجلَكم إلى الكعبين فزال عنك الإشكال،
فالقراءات بعضها يفسر بعضا ويبينه، وعلى هذا احتيج إلى أن يكون المصحف
جامعا لهذه القراءات فوفق الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فجمعوا القرآن في مصحف
واحد وكتبوه بخط يمكن أن تؤخذ منه جميع القراءات، الخط الذي رسموه به
ليس فيه نقط ولا شكل، ولم يكن النقط والشكل معروفا لدى العرب من قبل،
وكتبوه بهيئة يمكن أن يقرأ منها جميع القراءات، فإذا قرأت مثلا:
وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا وقرأت بالقراءة الأخرى:
وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا تجد الخط قابلا للأمرين،
ومثل ذلك: مالك يوم الدينملك يوم الدين فالألف أسقطها الصحابة
فكانت تقرأ بالوجهين، ومثل ذلك: وما يخدعون إلا أنفسهم وما يخادعون
إلا أنفسهم أسقط الصحابة الألف فكانت تقرأ بالوجهين، وهكذا ما سنذكره
من كلمت وكلمات، وتمت كلمة ربك وتمت كلمات ربك قراءتان سبعيتان
فكتبها الصحابة بالتاء وحذفوا الألف، فكانت قابلة للقراءة بالوجهين،
وهكذا في كل موضع من القرآن كتبوه بوجه يمكن أن تقرأ منه كل القراءات،
فكان هذا من إعجاز هذا القرآن، ومثله أيضا إعجازه في النطق، فإن النطق
به معجز، فبمجرد السماع يتأثر الإنسان تأثرا بالغا، فهذا السماع لقراءة
القرآن هو مؤثر حتى في الجمادات والبهائم، ولذلك فإن الفضيل بن عياض
كان في الحج فجيء بجمل صعب أتعب الناس فقال: قربوه إلي فقرأ في أذنه:
أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها