القول الثاني هو القول بأن المطالع مختلفة, ولكل إقليم مطلع يخصه, وعمدة هذا القول حديث ابن عباس في صحيح مسلم, وفيه أن كريبًا جاء من الشام وقد صام يوم الجمعة لأنهم رأوا الهلال في الشام ليلة الجمعة, فلما جاء إلى المدينة وبعد أن أكمل الثلاثين قال لابن عباس إن معاوية والناس صاموا يوم الجمعة, فقال له ابن عباس (لكننا لم نره إلا ليلة السبت, فإما أن نرى الهلال أو نكمل العدة ثلاثين, هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وحديث الباب محتمل, وحديث ابن عباس كالنص على اختلاف المطالع, لأنه رأى أن رؤية معاوية في الشام لا تلزِم أهل المدينة بالصيام لاختلاف المطالع, ويتأكد ذلك بقوله (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) . لكن الذي يرد على هذا: هل أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بنص خاص يدل على اختلاف المطالع؟ أو أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بقوله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) الذي يستدل به الجمهور, فيكون هذا من اجتهاد ابن عباس المستند إلى النص العام الذي يستدل به الجمهور؟ لكن ظاهر استدلاله على كريب - وهو أنهم غير ملزمين برؤية معاوية والناس - أن هناك نص خاص, لكنه لم يبين هذا النص, والاحتمال قائم أنه استند إلى حديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) .
القول باختلاف المطالع مع وجود الحدود السياسية بين الدول ووجود الاختلاف في وسائل الإثبات بينها يوجِد إشكالًا كبيرًا لأنها خلاف الأصل, فمثلًا: الشام أقرب إلى أهل الجهات الشمالية من الرياض, واليمن أقرب إلى أهل نجران من الرياض.
على القول باتحاد المطالع: وسائل الإثبات تتفاوت والثقة تتفاوت أيضًا من بلد إلى بلد ومن عرف إلى عرف, لأن الثقة مبناها على التقوى والمروءة, والتقوى قد تكون منضبطة إلى حدٍّ ما, لكن المروءة يختلف حدها من عرف إلى عرف.