قوله (إذا رأيتموه فصوموا) : هذا خطاب للأمة, والأصل أن يتجه الخطاب في قوله (رأيتموه) إلى كل من تتأتى منه الرؤية, فهو خطاب للجميع في الأصل, لأن القاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفرادًا, فالأصل أن كل من رأى يصوم, ومفهوم ذلك أن من لم ير لا يصوم, لكن هذا غير مراد بالاتفاق, فالخطاب للمجموع لا للجميع, هو خطاب لمن يثبت الحكم برؤيته, ولا يتجه إلى جميع الأمة.
إذا تراءى الناس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وكانت السماء صحوًا فلم يروه فإن هذا اليوم من شعبان قطعًا, لأن عندنا مقدمات شرعية, وإذا لم تثبت هذه المقدمات لم تثبت نتائجها, فالصيام عُلِّق بالرؤية, وإذا لم توجد الرؤية لم توجد النتيجة التي هي الصيام.
قوله (فاقدروا له) : القدْر يحتمل معانٍ متعددة, فيحتمل أن يكون المراد (ضيقوا عليه) , كما في قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه) والمعنى (من ضُيِّق عليه رزقه) , لكن هل يكون التضييق على رمضان أم على شعبان؟!!!.
ابن عمر يرى أنه يُضَيَّق عليه, بأن يُجعَل شعبان تسعةً وعشرين يومًا, ولذا كان ابن عمر يتراءى الهلال فإن لم يره لما يحول دونه أصبح صائمًا, وهو عمدة المذهب عند الحنابلة في وجوب صوم يوم الثلاثين إذا حال دون الرؤية الغيم وما في حكمه, لأن ابن عمر هو راوي الحديث, والراوي أعرف بما روى.
رواية (فاقدروا له ثلاثين) تفسر الرواية السابقة, ولا تجعل هناك مجالًا للاجتهاد, لأن السنة يفسر بعضها بعضًا, وعلى هذا إذا لم نر الهلال أكملنا شعبان ثلاثين يومًا.
عند البخاري ما هو أصرح من ذلك (فأكملوا العدة ثلاثين) .
عامة أهل العلم على أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر, وهو القول الصحيح الذي لا مرية في رجحانه, وإن لم يكن هذا هو يوم الشك فأي يوم يكون يوم الشك؟!!. لأنه إذا لم يكن هناك حائل ولم ير الهلال لم يكن هناك شك أصلًا.