أثر النية بعد الفراغ من العبادة يختلف عن أثرها في أثناء العبادة, فمن نوى نقض الوضوء بعد الفراغ من الوضوء لا ينتقض وضوءه, بخلاف من نوى نقضه في أثناء الوضوء فإنه ينتقض, لأنه في أثناء العبادة يشترط استصحاب حكم النية, وأما من استدعى القيء فلم يخرج فقد نوى الفطر في أثناء العبادة, ومن نوى الإفطار أفطر, إذا كان يعرف أن القيء مفطِّر.
شخصٌ يعرف أن التبرع بالدم مفطِّر ذهب إلى المستشفى ليتبرع ولما باشر الأسباب قيل له (اكتفينا) : مثل هذا نوى الأفطار, لأنه عازم بدليل بذله الأسباب للإفطار, وعند أهل العلم أن من نوى الإفطار أفطر.
لكن هل مثل هذا التردد والهم والبذل الموقوف على قبولهم له (إن قبلوا وإلا رجعت) له أثر في الصيام؟ يقال: هذا على حسب غلبة الظن, إن كان يغلب على الظن أنهم يحتاجونه فمثل هذا مؤثر, لأن الأحكام تبنى على غلبة الظن, وإن كان يغلب على الظن أنهم لا يحتاجونه فإنه لا يؤثر.
مراتب القصد متفاوتة, فالعزم أقوى من مجرد الهم, والهم أقوى من مجرد حديث النفس, وحديث النفس أقوى من الهاجس, والهاجس أقوى من الخاطر. والعزم فيه بذل للأسباب.
حديث جابر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان, فصام حتى بلغ كراع الغميم, فصام الناس, ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه فشرب, ثم قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام, فقال: أولائك العصاة, أولائك العصاة) : خرج عام الفتح لعشر خلون من رمضان.
قوله (فصام حتى بلغ كراع الغميم) : يعني صام من خروجه إلى أن بلغ كراع الغميم, وهو وادٍ أمام عسفان, وفي بعض الروايات (حتى بلغ عسفان) , وفي رواية (حتى بلغ الكَديد) , وهي أماكن متقاربة يشملها عسفان, والبقية من أعماله, فلا اختلاف.