حديث أنس (تسحروا فإن في السحور بركة) : الأمر بالسحور أمر إرشاد, والعلة تدل على ذلك, تحصيلًا للبركة المرتبة عليه. فالسحور مستحب, لهذا الأمر, ولاشك أنه مبارك, لكن يبقى أنه يأخذ حكم الأكل, إضافةً إلى ما يدعمه مما جاء في السحور على وجه الخصوص, فالشخص المتخم أو الذي يضره الأكل يتسحر بأقل ما يطلق عليه السحور, وإذا كان بحاجة إلى الأكل اتجه إليه الأمر به, ففرق بين من يضره الأكل وبين من يضره ترك الأكل, فيعود إلى حكم الأكل الأصلي, إلا أن القدر الذي يطلق عليه أنه سحور - بحيث يقطع الوصال - فيه بركة ويعين على ما أمامه من ساعات النهار. ولا شك أن اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب بركة, لأنه جاء في الحديث (فصل بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر) .
ذكر الإمام مالك في الموطأ عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب إذا رأيا سواد الليل ثم يفطران: منهم من يقول إن المخالفة للنص تكون في التأخير الذي يصل إلى حد اشتباك النجوم, لكن لا شك أن هذا تأخير, فالمطلوب المبادرة وتعجيل الإفطار, وما عدا ذلك تأخير. وحميد بن عبد الرحمن لم يدرك عمر, فهو يحكي قصة لم يشهدها, وأما إدراكه لعثمان فهو بيِّن, لكنه لم يقل إني رأيت عمر وعثمان, فالخبر لا شك أن فيه ما فيه, والذي يغلب على الظن أنه لم يثبت, والعبرة بالمرفوع, والثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يصل المغرب إلا بعد فطره.
حديث سلمان بن عامر الضبي (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر, فإن لم يجد فليفطر على ماء, فإنه طهور) : هذا الحديث مضعف عند أهل العلم, وحديث عمران بن حصين فيه ضعف أيضًا, فهذا لم يثبت من قوله عليه الصلاة والسلام, لكنه ثبت من فعله, كما جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان يفطر على رطبات فإن لم يجد فعلى تمرات فإن لم يجد حسا حسوات من ماء.