قلت: جوابي عنك قبل جوابِك، ولسان حالك إن أكدى لسان خطابِك: أنّك قلّدتَهُم في الحكم على الرّجل، واكتفيت بما قالوا وجاوزت على عجل.
فأنت تقلّدُهم في الحكم على الرّاوي، وتخالفهم في الدّليل، وتقبل بلا حجّة تجريحهم والتعديل، لأنّك ما علمت أين يحومون، ولم تدرِ عمَّ يصدرون.
فإذا وجدت كلامهم على الإسناد قلت محال وباطل، وجرّأك عليه أنّك تعلم ظاهرًا من المصطلح وأنت عن العلل غافل.
فلمّا قالوا في شيء من حديث الثقة هذا من وهمه وتخليطه، نازعتهم متحذلقًا بأنّه ثقة لا دليل على تغليطِه، ولم تأتِ بتوثيقه من كيسِك، ولم تنقله عن إمامك ورئيسِك، وإنّما استبضعت دقل التمر إلى هجَر والقصيم، وزوّرت الحليّ على صانعه العليم.
وكلّ ما في الأمْر، وإن أعماك عنه السُّكر: أنّه وثّقه لغلبة صوابه بعد أن تتبّع، وعلّل ما غلط فيه ممّا بان حال التتبُّع.
فتتبّعه دليل واحد دلّ على حكمين: ثقة الراوي، وتغليطه، قكذّبت بما لم تُحِط بعلمِه، وقلّدته في نصف دعواه، وشطر حُكمِه.
قال: قولك يشبه الصّواب، وربّ سمٍّ في الشّهد مذاب، فأزل ملتبس الأمر، بحجّة تثلج وحرَ الصّدر.
قلت: سألت نصَفًا، وما قلت فنَدًا ولا خرفًا، وحقٌّ لطالب الحجّة بتجرُّد، أن يعطى سؤله ولا يُحرَد.
أرأيت قولك الّذي ردّدته وما فهمته، ثمّ بالتّحقيق وسمتَه: لا نغلِّط الرّاوي إلاّ ببيّنة.
قاطعني فقال، وهو يبري النِّصال: وآخر بدعِكُم يا منتحلي منهج المتقدّمين، أنْ أنكرتم هذه القاعدة من قواعد الدين؟!
قلت: روَيدَكَ فما أنكرناها، وإنّما اجتنبنا إهمالها وأعملناها، وقيّدناها بقيدٍ متّفقٍ على أصلِه، وإسنادٍ مجمعٍ على صحّته ووصله.
بل إهمالها حقّ الإهمال، ما تدعو إليه من أقوال، وستزول الشُّبهة التي معَك، إذا ناولتني وأنت شهيد مسمعَك.
قال: هاتِ وناول، فكلامك بالحقِّ أشبه منه بالباطل.