الثاني: قرائن تقليدية، وهي القرائن التي يستعان بها في معرفة أن ذلك الناقد يحكم على ذلك الحديث بالعلة، فالناقد إذا صرح بالعلة فُهم مقصده، وإذا لم يصرح بها فقد ترِد في بعض عباراته أو تصرفاته بعض القرائن التي يفهم منها أنه يعدّ ذلك الحديث معلولًا، مثل القرائن الدالة على إعلال الإمام البخاري أو الإمام مسلم أو غيرهما من الستة أو غيرهم للحديث، كعدم روايته مع أنه أصل في بابه ولم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يغني عنه، أو إردافه بما يخالفه ويعله، أو روايته في غير بابه، أو تأخيره في بابه، أو غير ذلك، على اختلاف منهم في بعض طرائقهم؛ وهذه القرائن ليست على شرط هذا البحث وإن تطرق بنا البحث إلى بعضها أحيانًا.
وتتباين قرائن الإعلال من حيث قوة دلالتها على العلة واحتمالاتها؛ ولذلك فهي من هذه الحيثية درجات كثيرة، وهذا شأن كل القرائن في علم الحديث وفي غيره؛ قال الدكتور حمحامي مختار بعد نقله كلام طائفة من العلماء في معنى القرينة: «ومن نصوص العلماء السابقة يتبين ... أن القرائن قد تبلغ درجة القطع، وقد تنزل إلى أدنى درجات الضعف، فلا تصلح عند انفرادها في التأثير» « (1) » ؛ ولكن بالنسبة لاصطلاحي فقد سبق أن بينت أن القرينة التي تبلغ بمجردها درجة القطع وما قاربها فإني لا أسميها قرينة ولكني أدخلها في فصل دلائل الإعلال؛ وذلك لغرض تسهيل البحث على قارئه والتفرقة بين الدليل القوي الذي يعمل بمجرده ويطّرد عملُه، وبين غيرِه من المظان والأدلة الضعيفة التي يتخلف عملها أحيانًا وهي - مع ذلك - إن عملت فإنها لا تعمل بنفسها أي حال تجردها وإنما تعمل بانضمامها إلى قرائن أخرى.
وتتنوع القرائن من حيث نوع أثرها أو جهة دلالتها نوعين:
(1) «» بحَثَ الدكتور حمحامي مختار في المعنى الاصطلاحي للقرينة في كتابه «القرائن وأثرها في فهم الخطاب الشرعي» «ص18 - 35» دار ابن حزم، ط1، 2009م، 1430هـ.