وكنت قبل التبييض الأخير لهذا البحث ربما ذكرت بين أدلة الإعلال دليلًا هو في الحقيقة مركبًا من قرينتي إعلال متضافرتين - أو أكثر -، وإنما استجزت ذلك لكثرة تلازم تلك القرينتين وقلة انفكاكهما عن بعضهما فكأنهما صارا حقيقة واحدة، ولكن رأيت فيما بعدُ أن الأفضل والأنسب أن لا أفعل ذلك، وأن أقتصر في فصل الدلائل على الأدلة الساذَجة أعني غير المركبة من قرينتين أو أكثر، فذلك يجنبنا التكرار والتداخل، لأن القرائن ينبغي أن تذكر جميعها في فصلها المختص بها، فلا معنى لإعادة ذكر بعضها في فصل الدلائل ضمن أدلة مركبة من قرينتين أو أكثر؛ ثم إن تركيب أدلة إعلال من قرائن إعلال أمر يكاد يكون غير متناه، وذلك لكثرة احتمالاته، فإذا كان لدينا أكثر من مئة قرينة، فكم سيكون عدد الأدلة المركبة من قرينتين؟! وكم سيكون عدد الأدلة المركبة من ثلاث قرائن؟! ثم من أربع قرائن ثم من خمس قرائن وهلم جرًّا إلى أن نصل إلى أدلة مركبة من عشرات القرائن؟! ومثل هذا الكلام وإن كان غير سليم من الناحية العملية التطبيقية، فإنه صالح للذكر من الناحية التنظيرية والتأصيلية، ليتميز في النهاية من هذه الأدلة المركبة ما هو واقع أو ممكن الوقوع فيُدْرس وينبَّه إلى احتمالاته، عما هو غير واقع وغير ممكن الوقوع منها فلا حاجة إلى التفصيل في دراسته؛ والمقصود أنه إذا عُلم كثرة الأدلة المركبة واحتمالاتها فقد يعترض معترض على من يذكر في فصل الأدلة - مع الأدلة العارية عن التركيب - عددًا يسيرًا من الأدلة المركبة دون سائرها وهي بالمئات، وهو اعتراض له وجه من الصواب ونصيب من الحق؛ بل ربما أفهم ذكر بعضٍ من الأدلة المركبة من القرائن من غير استيفاء أنه لا يوجد أدلة أخرى مركبة من قرائن، وهذا إيهام ضارٌّ بالبحث ومضادٌّ لمقاصده.