ولقد نتج عن هذا التعاطي مع هذه القضايا التي تدخل في باب الشكليات ، ولا تمس جوهر العلم ، أو تتعرض للمقدس من أمور الشريعة [1] ؛ قيام علماء المدينة بالرد على الشيخ التركزي ، فكتب السيد البرزنجي رسالة سماها: ( فتكة البراض بالتركزي المعترض على القاضي عياض ) ، لأن التركزي في الوقت الذي دافع فيه عن الإمام مالك ، خطَّأ أحد أعلام المذهب المالكي ، صاحب كتاب: ( ترتيب المدارك ، وتقريب المسالك ، لمعرفة أعلام مذهب مالك ) ، وهو القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي [2] ، الذي ولد بسبتة سنة 496هـ ، وتوفي في مراكش سنة 544هـ .
وجاء رد التركزي في شكل قصيدة حادة سماها: ( فتكة التركزي الناظم ، بالبرزنجي المدعي نسبة مزورة إلى موسى الكاظم ) ، والقصيدة التي تجاوزت مائة من الأبيات الشعرية ، مثبتة في كتاب التركزي الذي أشرنا إليه: ( الحماسة السنية الكاملة المزية ) القسم الثاني 13-21 .
ومن المآخذ على الشيخ التركزي ؛ تعرضه لأنساب الأسر المدنية ، وكان بإمكانه - وهو صاحب فقه ودراية بمقتضيات الشريعة - ألا يقحم النسب في قضايا علمية أشبعت بحثًا ، ولكن يبدو أن خلاف العلماء يتجاوز - أحيانًا - الحد المطلوب من الانضباط الخُلُقي ، ويدخل في متاهات تجر على أطرافها الكثير من العنت والمشقة ، ولهذا الخلاف الحاد الذي وقع بين التركزي من جهة ، وعلماء المدينة ( البرزنجي والبرادة ) من جهة أخرى ؛ طلبت الحكومة التركية من التركزي مغادرة المدينة ، فرحل إلى مصر ، واتصل بالعالم المعروف - آنذاك - الإمام الشيخ محمد عبده .
وجد التركزي في أحد علماء المدينة المنورة - قبل أن يرحل منها - وهو أمين بن حسن الحلواني المدني ، معاضدًا ومؤازرًا ، وخصوصًا أن الحلواني اختلف
(1) بينما يرى المؤرخ المعروف السيد أمين بن عبد الله مدني في مثل هذه المناظرات حرص مدرسة المدينة على قواعد اللغة العربية في أحرج ظروفها. انظر: أمين مدني ، الثقافة الإسلامية وحواضرها ، ( الهيئة المصرية العامة للكتاب 1980م ، ص 139 ) .
(2) لمزيد عن هذه الشخصية العلمية ، انظر: القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، دار الفكر ، 1409هـ / 1988م.