ويبدو أن السيد البرزنجي دفعًا لتهمة التقليل من شأن الإمام مالك ، دفع بالسؤال إلى أحد علماء المذهب المالكي في عصره ، والذين قدموا إلى المدينة المنورة - آنذاك - ، وهو الشيخ زروق ، وهذا الأخير بدوره أرسل إلى شيخه سالم بوحاجب التونسي ليسأله عن هذا الإشكال اللغوي ، والذي كشف السيد البرزنجي أن أول من أثار الكلام حوله هو أحد العلماء المجاورين بالمدينة المنورة ، الشيخ السيد حبيب الرحمن ، ابن السيد علي اللكنوي ، الموسوي نسبًا ، المدني مهاجرًا .
ولهذا نجد أن حكمة السيد البرزنجي تدفعه لأن يورد في رسالة موجزة من تألفيه تناقش هذه القضية رأي علماء المالكية أولًا ، من أمثال الشيخ زروق ، وشيخه بوحاجب التونسي ، ثم يورد رأيه في الموضوع نفسه في الرسالة التي تضمنت مختلف الآراء ، والتي أسماها: ( إصابة الداهي شاكلة إعراب إن لم يجد إلا هي ) .
وإذا كان الشيخ التركزي مثل بقية علماء شنقيط مالكي المذهب ، وكانت صلاته بالسلطان العثماني ( عبد الحميد ) ، وكان السيد البرزنجي شافعي المذهب ، بل إنه كما ورد في ترجمته عند الزركلي قد تولى منصب إفتاء الشافعية بالمدينة المنورة ، كما أنه انتخب نائبًا عن البلدة الطاهرة في مجلس النواب العثماني بإستانبول .
إذا أخذنا جميع هذه الحيثيات ، سهل علينا تفهم دواعي تلك الحملة التي قادها التركزي ضد البرزنجي ورصيفه الشيخ عبد الجليل برادة ، وحمل حملًا عنيفًا كذلك على منتداهم الأدبي في بستان الأبَّارية البراديَّة ، والذي كان يقوم قرب باب بقيع الغرقد بالمدينة المنورة [1] ، مدعيًا في حماسته أنهم تجرأوا على تلحين الإمام أبي عبد الله ؛ مالك بن أنس ، إمام دار الهجرة ، وذهب - أي التركزي - إلى حد بعيد في التعرض بغير وجه حق لنسب آل البرزنجي [2] .
(1) ظهر في المدينة المنورة عدد من المجالس الثقافية الخاصة ، التي تعقد في بيوت بعض وجهائها وعلمائها أو بساتينهم ، وكانت تدور فيها حوارات أدبية وثقافية مهمة .
انظر: د. ماجد العامري ، تقر ير عن المجالس الثقافية المعاصرة في المدينة المنورة ، مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة ، السنة الأولى ، العدد الثالث ، 175-190 .
(2) محمد محمود بن التلاميذ التركزي الشنقيطي: الحماسة السنية ، الكاملة المزية في الرحلة العلمية الشنقيطية التركزية ، مطبعة الموسوعات بالقاهرة ، 1319هـ ، القسم الثاني ، ص 3 .