فبعد أن قدم إلى مكة المكرمة مجاورًا ، انتقل إلى المدينة المنورة ، ولهذا كان ينعت نفسه بالشنقيطي المدني المكي [1] .
وعند إقامته بالمدينة المنورة اختلف مع بعض علمائها ، مثل السيد أحمد البرزنجي [2] ، المتوفى سنة (1337هـ/1919م) ، وكان الخلاف حول ما تضمنته رسالة السيد البرزنجي الموسومة (( إصابة الداهي ، شاكلة إعراب إن لم يجد إلا هي ) ) [3] .
وعبارة: (( إن لم يجد إلا هي ) )وردت في كتاب الموطأ للإمام مالك - إمام دار الهجرة - وفي باب النذور بالتحديد ، حيث قال إمام دار الهجرة [4] فيمن نذر المشي إلى الحج ولا يستطيع المشي: (( فليمش ما قدر عليه ، ثم ليركب ، وعليه هدي بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد إلا هي ) ).
فعلق الفقيه المالكي أحمد بن محمد العربي زروق على هذه العبارة الأخيرة من ناحية لغوية صرفية بقوله: (( حيث إن مقتضى القوانين العربية أن يقال: إلا إياها ؛ إذ الضمير مفعول الفعل المتعدي ، وهو( يجد ) )).
وهذا الخدش واضح التعلق بعبارة الإمام ، وهو - رضي الله عنه - وإن لم يكن من أرباب السليقة العربية ، الذين يلتزمون في كلامهم عدم الحيادة عن قوانينها ، بل إن مالك بن أنس من الأئمة الذين يحتج بأقوالهم دون استعمالهم ، لكن حمل كلام مثله على موافقة قواعد اللسان واجب ما أمكن .
(1) انتشرت ظاهرة الانتساب إلى مكة والمدينة عند كثير من العلماء - وغير العلماء - الذين هاجروا إلى هاتين المدينتين المقدستين ، أو جاوروا فيهما مدة طويلة ، ولا شك أن لهذا الانتساب دلالات كثيرة ، منها: التعلق الشديد بهما ، وتمكن الهوية العربية الإسلامية عند هؤلاء المنتسبين ، ولو كانوا من أصول غير عربية ، وانتفاء الشعور السلبي عند ذكر البلد الذي ينتمي إليه أصلًا .
(2) أحمد بن إسماعيل بن زين العابدين المدني ، شهاب الدين البرزنجي ، من أعيان المدينة المنورة ، نشأ بالمدينة ، وتعلم بها ، ثم أكمل دراسته بالأزهر بمصر ، ثم عاد إلى المدينة ، فدرَّس بالمسجد النبوي ، وتولى إفتاء الشافعية فيها ، وانتخب رئيسًا عن أهل المدينة في مجلس النواب العثماني بإستانبول ، سافر إلى دمشق أيام الحرب العالمية الأولى ، واستقر فيها إلى وفاته سنة 1337هـ/1919م . من مؤلفاته: المناقب الصديقية ، ومناقب عمر بن الخطاب ، والنظم البديع في مناقب أهل البقيع . الأعلام 1/99 .
(3) وقد طبعت الرسالة - وأحتفظ بنسخة منها - بالمطبعة الرسمية التونسية سنة 1309هـ ، ونجد في الترجمة التي كتبها الزركلي للسيد البرزنجي أنه - أي الزركلي - يورد اسم الرسالة مختلفًا كالتالي: ( إصابة الدواهي في إعراب إلا هي ) .
(4) انظر: الموطأ ، رواية يحيى بن يحيى الليثي ، ص 242-243 ، ط. دار الكتب العلمية ، بيروت .