وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس ، [ وأقوى ] 59 ما احتجوا به قوله:"وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله ، وعلى [ القياس ] 60 كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها ، سواء كان ذلك في موضع [ الطعام والغذاء ] 61 أو غيره من حشو جوفه .
لكن هل إذا استنشق الإنسان الماء يصل إلى دماغه ؟ لا ما أظن الظاهر أنه يصل إلى جوفه , ولذلك النَفَس الآن يخرج من الرئتين لاشك ويخرج من طريق الأنف , لا أنه يذهب إلى الدماغ ثم ينزل , فالظاهر أن قوله يصل إلى الدماغ فيه نظر من حيث الطب.
والذين استثنوا التقطير قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه ، وإنما يرشَح رشحًا ، فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه .
قوله إنما يرشح: يعني البول , يقولون إن البول بإذن الله يرشح ينزل من الكلى رشحا ويجتمع بهذه الحاصلة ثم بإذن الله عز وجل إذا أراد الإنسان أن يخرجها أخرجها , فلذلك لو قطر في إحليله يعني في ذكره دهنا أو دواء أو غيره لم يفطر بذلك , لأنه إنما يرشح رشحا يعني البول .
انظر إلى القياس الغلط فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه هذا غلط , لأن الأنف والفم في حكم الظاهر , ولهذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الوضوء تبعا لغسل الوجه فالفرق واضح , لكن كلامه هذا يدل على أن الذي يفطر هو الذي يصل إلى المعدة , وأما ما وصل إلى باطن الجوف من غير طريق المعدة فإنه لا يفطر كما هو الراجح , فالراجح أنه لا يفطر إلا ما يصل إلى المعدة دون ما يصل إلى الحلق ودون ما يصل إلى البطن أو إلى الرئة أو إلى غير ذلك .
والذين استثنوا الكحل قالوا: العين ليست [ منفذًا ] 62 كالقبل والدبر ، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء .
معلوم أن الإنسان إذا اغتسل وتَشَرَّبَ جلده الماء فإنه لايفطر بالاتفاق , كذلك الدهن فلو تدهن وهو صائم فإنه لايفطر بالاتفاق .