فالعبد الذي يسمع مثل هذه الأدلة يعرضها على الكتاب والسُّنّة، فيقول: نقبلها، ولكن لا نقول: إنها مُخرجة من الإسلام، وأن من عمل بها فإنه ليس بمسلم؛ بل أمره إلى الله ـ تعالى ـ ومثله: « بريء من الإسلام من تبرأ من نسب وإن دق » [1] ومثله: « إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما » [2] كل ذلك من أحاديث الوعيد.
يقول أهل السُّنّة: إن أحاديث الوعيد تُجْرَى على ظاهرها، ليكون أبلغ في الزجر، مع الاعتقاد بأنها لا تصل إلى الخروج من الملة، لا نقول: مثلا إن هذا قد كفر وخرج من الإسلام بهذا الذنب، بل نقول: عمله عمل كفر، وأما هو فلا يكون كافرًا، ففرق بين العمل وبين العامل، فالعمل يكون من أعمال الكفار أو من أعمال المنافقين، ولا يلزم أن كل من عمل هذا العمل يخرج من الإسلام، ويدخل في الكفر؛ بل أمرهم إلى الله ـ تعالى ـ ونحثهم على التوبة والرجوع إلى الله [3] .
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 215) . قال أحمد شاكر (7019) : إسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4485) .
(2) أخرجه البخاري برقم (6104) في الأدب، باب: من كفَّر أخاه من غير تأويل فهو كما قال، ومسلم برقم (60) في الإيمان، باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه يا كافر، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(3) فائدة:
قال الشَّيْخُ ابْنُ جِبْرِيْن: وأما التكفير بالذنوب لأهل القبلة -أي: أهل الإسلام، واستقبال القبلة في الصلاة والحج ونحوها- فلا يجوز تكفيرهم بمجرد عمل ذنب كبير ونحوه، وما ورد من نصوص الوعيد فإنا نُجريها على ظاهرها، ليكون أبلغ في الزجر عن تلك المآثم، مع اعتقادنا أنه لا يخرج بها من الدين، ولا يُخَلًّد في النار، ونقول في جنس أهل الكبائر: إنهم مؤمنون ناقصو الإيمان، أو فاسقون بكبائرهم، وهم في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذَّبهم بقدر ذنوبهم، ثم مآلهم إلى دخول الجنة، خلافًا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ويستحلون دماء أهل الكبائر، وأموالهم، وللمعتزلة الذين يخرجون العاصي من الإسلام، ولا يُدخلونه في الكفر، وهو في الآخرة عند الخوارج والمعتزلة مخلد في النار، أنكروا أحاديث الوعد والشفاعة ونحو ذلك. اهـ من كتاب التعليقات على متن لمعة الاعتقاد للشيخ ابن جبرين، صفحة 172.