فنحن محتاجون إلى رحمة الله، وأعمالنا تقصر عن أن تكون سببًا مستقلا بنجاتنا، ولكن الله ـ تعالى ـ أمر بالعمل الصالح، وأمر بالإكثار من الحسنات، ونهى عن السيئات، وجعل ذلك من أسباب رحمته ودخول جنته، ونهى عن السيئات والمخالفات التي تكون أيضًا سببًا لغضبه وعقابه.
أما إذا لقي الله ـ تعالى ـ وقد أقيم عليه الحد: فإذا كان تائبًا من ذلك الذنب فإن الحد كفارة. وإذا أقيم عليه الحد، ولكنه لم يعترف ولم يتب، فلا ينفعه، إنما يكون الحد زاجرًا له حتى لا يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب، أو زاجرًا لغيره.
وقد بيَّن العلماء أن الحدود لا تكون كفارة إلا لمن تاب فمن زنا مثلا وجاء معترفًا وقال: أقيموا عليَّ الحد، كما فعل ماعز والغامدية [1] فإن ذلك كفارة، وأما من أنكر وشهد عليه الشهود بأنه زنا ورجم بذلك، وهو منكر غير تائب فالحد لا يُطَهِّره، وإنما يمنع غيره من أن يفعلوا كفعله، وهكذا بقية الحدود التي تقام في الدنيا، لا تكون مُكَفِّرَةً إلا لمن تاب من ذلك الذنب، وحسنت توبته.
43 ـ ومن لقيه ـ من كافرـ عذَّبه ولم يغفر له.
« الشَّرْحُ » :
الكفر يطلق على جَحْد الربوبية، أو الإشراك في الألوهية، وقد يطلق على إنكار الشريعة أو شيء من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، كقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: « بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة » [2]
(1) قصة رجم ماعز والغامدية رواها مسلم برقم (1693، 1694، 1695) عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وبريدة ـ رضي الله عنهم ـ.
(2) الأحاديث في إطلاق الكفر على تارك الصلاة كثيرة ومتواردة وصحيحة، فمن ذلك:
عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ، عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: « إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة » . أخرجه مسلم برقم (82) .
وعن بريدة بن الحصيب ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يقول:
« العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» .
أخرجه الترمذي برقم (2621) ، والنسائي برقم (462) ، (1/232) ، وابن ماجه برقم (1079) ، وأحمد في مسنده (5/ 346) .