فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 1706

بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه

اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط إذ خير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يوميء إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات ولكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه على وجه يوميء عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان والعالم يدرك أن المقصود الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثًا والشرع مانعًا فيتقاومان ويحصل الاعتدال فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد فيعلم أنه لا ينتهي إلى الغاية فإنه إن أسرف مسرف في مضادة الطبع كان في الشرع أيضًا ما يدل على إساءته كما أن الشرع بالغ في الثناء على قيام الليل وصيام النهار ثم لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله نهى عنه [1]

فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع أصلًا فإن مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة وثقل المعدة يمنع من العبادة وألم الجوع أيضًا يشغل القلب ويمنع منها فالمقصود أن يأكل أكلا لا يبقي للمأكول فيه أثر ليكون متشبهًا بالملائكة فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام وألم الجوع وغاية الإنسان الاقتداء بهم وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع والجوع فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط وهو الاعتدال

ومثال طلب الآدمي البعد عن هذه الأطراف المتقابلة بالرجوع إلى الوسط مثال نملة ألقيت في وسط حلقة محمية على النار مطروحة على الأرض فإن النملة تهرب من حرارة الحلقة وهي محيطة بها لا تقدر على الخروج منها فلا تزال تهرب حتى تستقر على المركز الذي هو الوسط فلو ماتت ماتت على الوسط لأن الوسط هو أبعد المواضع عن الحرارة التي في الحلقة المحيطة فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان إحاطة تلك الحلقة بالنملة والملائكة خارجون عن تلك الحلقة ولا مطمع للإنسان في الخروج وهو يريد أن يتشبه بالملائكة في الخلاص فأشبه أحواله بهم البعد وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط فصار الوسط مطلوبًا في جميع هذه الأحوال المتقابلة وعنه عبر بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا [2] وإليه الإشارة بقوله تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} ومهما لم يحس الإنسان بجوع ولا شبع تيسرت له العبادة والفكر وخف في نفسه وقوي على العمل مع خفته ولكن هذا بعد اعتدال الطبع

أما في بداية الأمر إذا كانت النفس جموحًا متشوقة إلى الشهوات مائلة إلى الإفراط فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها بالجوع كما يبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضة بالجوع والضرب وغيره إلى أن تعتدل فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ولأجل هذا السر يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه فيأمره بالجوع وهو لا يجوع ويمنعه الفواكه والشهوات وقد لا يمتنع هو منها لأنه قد فرغ من تأديب نفسه فاستغنى عن التعذيب ولما كان أغلب أحوال النفس الشره والشهوة والجماح والامتناع عن العبادة كان الأصلح لها الجوع الذي تحس بألمه في أكثر الأحوال لتنكسر نفسه والمقصود أن تنكسر حتى

(1) حديث النهي عن صوم الدهر كله وقيام الليل كله تقدم

(2) حديث خير الأمور أوساطها أخرجه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت