فهرس الكتاب

الصفحة 1543 من 1706

ولهذا قيل ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل وأريد به العالم البصير بدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها فإن الجاهل نظره إلى ظاهر العبادة واغتراره بها كالنظر السوادي إلى حمرة الدينار المموه واستدارته وهو مغشوش زائف في نفسه وقيراط من الخالص الذي يرتضيه الناقد البصير خير من دينار يرتضيه الغر الغبي

فهكذا يتفاوت أمر العبادات بل أشد وأعظم ومداخل الآفات المتطرقة إلى فنون الأعمال لا يمكن حصرها وإحصاؤها فلينتفع بما ذكرناه مثالًا والفطن يغنيه القليل عن الكثير والبليد لا يغنيه التطويل أيضًا فلا فائدة في التفصيل

اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصًا لوجه الله تعالى بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابًا أم يقتضي عقابًا أم لا يقتضي شيئًا أصلًا فلا يكون له ولا عليه أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعًا وهو سبب المقت والعقاب

وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب وإنما النظر في المشوب وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له [1] وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه والذي ينقدح لما فيه والعلم عند الله أن ينظر إلى قدر قوة الباعث فإن كان الباعث الديني مساويًا للباعث النفسي تقاومًا وتساقطًا وصار العمل لا له ولا عليه وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب

نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء ولم يمتزج به شائبة التقرب

وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني وهذا لقوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يعمل مثقال ذرة شرًا يره ولقوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير بل إن كان غالبًا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت زيادة وإن كان مغلوبًا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد

وكشف الغطاء عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها فداعية الرياء من المهلكات وإنما غذاء هذا المهلك وقوته العمل على وفقه وداعية الخير من المنجيات وإنما قوتها بالعمل على وفقها

فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوي تلك الصفة وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب فقد قوي أيضًا تلك الصفة وأحدهما مهلك والآخر منج فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما وإن كان أحدهما غالبًا لم يخل الغالب عن أثر فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والأدوية ولا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة الله تعالى فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر ولا ينفك عن تأثيره في إنارة القلب أو تسويده وفي تقريبه من الله أو إبعاده فإذا جاء بما يقربه شبرًا مع ما يبعده شبرًا فقد عاد إلى ما كان

(1) الأخبار التى يدل ظاهرها على أن العمل المشوب لا ثواب له قال وليس تخلو الأخبار عن تعارض رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أن رجلًا قال يا رسول الله رجل يبتغي الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله لا أجر له الحديث وللنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد حسن أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله فقال لا شيء له فأعادها ثلاث مرات يقول لا شيء له {ثم قال} أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه وللترمذي وقال غريب وابن حبان من حديث أبي هريرة الرجل يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه قال له أجران أجر السر وأجر العلانية وقد تقدم في ذم الجاه والرياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت