فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 1706

وقد ذكر للجوع الصادق علامات إحداها أن لا تطلب النفس الأدم بل تأكل الخبز وحده بشهوة أي خبر كان فمهما طلبت نفسه خبزًا بعينه أو طلبت أدمًا فليس ذلك بالجوع الصادق وقد قيل من علامته أن يبصق فلا يقع الذباب عليه أي لم يبق فيه دهنية ولا دسومة فيدل ذلك على خلو المعدة ومعرفة ذلك غامض فالصواب للمريد أن يقدر مع نفسه القدر الذي لا يضعفه عن العبادة التي هو بصددها فإذا انتهى إليه وقف وإن بقيت شهوته وعلى الجملة فتقدير الطعام لا يمكن لأنه يختلف بالأحوال والأشخاص نعم قد كان قوت جماعة من الصحابة صاعًا من حنطة في كل جمعة فإذا أكلوا التمر اقتاتوا منه صاعًا ونصفًا وصاع الحنطة أربعة أمداد فيكون كل يوم قريبًا من نصف مد وهو ما ذكرناه أنه قدر ثلث البطن واحتيج في التمر إلى زيادة لسقوط النوى منه وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقول طعامي في كل جمعة صاع من شعير عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم والله لا أزيد عليه شيئًا حتى ألقاه فإني سمعته يقول أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة وأحبكم إلي من مات على ما هو عليه اليوم [1] وكان يقول في إنكاره على بعض الصحابة قد غيرتم ينخل لكم الشعير ولم يكن ينخل وخبزتم المرقق وجمعتم بين إدامين واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم في ثوب وراح في آخر ولم يكونوا هكذا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وكان قوت أهل الصفة مدًا من تمر بين اثنين كل يوم [2] والمد رطل وثلث ويسقط منه النوى وكان الحسن رحمة الله عليه يقول المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف والقبضة من السويق والجرعة من الماء والمنافق مثل السبع الضاري بلعًا بلعًا وسرطًا سرطًا لا يطوي بطنه لجاره ولا يؤثر أخاه بفضله وجهوا هذه الفضول أمامكم وقال سهل لو كانت الدنيا دمًا عبيطًا لكان قوت المؤمن منها حلالًا لأن أكل المؤمن عند الضرورة بقدر القوام فقط

الوظيفة الثانية في وقت الأكل ومقدار تأخيره وفيه أيضًا أربع درجات

الدرجة العليا أن يطوي ثلاثة أيام فما فوقها وفي المريدين من رد الرياضة إلى الطي لا إلى المقدار حتى انتهى بعضهم إلى ثلاثين يومًا وأربعين يومًا وانتهى إليه جماعة من العلماء يكثر عددهم منهم محمد بن عمرو القرني وعبد الرحمن بن إبراهيم ورحيم وإبراهيم التيمي وحجاج بن فرافصة وحفص العابد المصيصي والمسلم بن سعيد وزهير وسليمان الخواص وسهل بن عبد الله التستري وإبراهيم بن أحمد الخواص وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستة أيام وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس يطوي سبعًا وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثًا ثلاثًا كل ذلك كانوا يستعينون بالجوع على طريق الآخرة

قال بعض العلماء من طوى لله أربعين يومًا ظهرت له قدرة من الملكوت أو كوشف ببعض الأسرار الإلهية وقد حكي أن بعض أهل هذه الطائفة مر براهب فذاكره بحاله وطمع في إسلامه وترك ما هو عليه من الغرور فكلمه في ذلك كلاما كثيرًا إلى أن قال له الراهب إن المسيح كان يطوي أربعين يومًا وإن ذلك معجزة لا تكون إلا لنبي أو صديق فقال له الصوفي فإن طويت خمسين يومًا تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام وتعلم أنه حق وأنك على باطل قال نعم فجلس لا يبرح إلا حيث يراه حتى طوى خمسين يومًا ثم قال وأزيدك أيضًا فطوى إلى تمام الستين فتعجب الراهب منه وقال ما كنت أظن أن أحدًا يجاوز المسيح فكان ذلك سبب إسلامه

(1) حديث أبي ذر أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة وأحبكم إلي من مات على ما هو عليه اليوم أخرجه أحمد في كتاب الزهد ومن طريقه أبو نعيم في الحلية دون قوله وأحبكم ألي وهو منقطع

(2) حديث كان قوت أهل الصفة مدًا من تمر بين اثنين في كل يوم أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث طلحة البصري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت